أحد الحوارات الذي خضت فيه مؤخرًا تناول بشكل أو بآخر الواقع القانوني والحقوقي في فلسطين، وحتى لو كرهت الاعتراف بذلك لقد وصلت تلك المحادثة إلى طريق مقفلة لا يبدو أنه سيكون بالإمكان العثور على مفتاحها قريبًا.

فعندما نلقي بنظرة عامة على الواقع القانوني في فلسطين سنخرج بنتيجة مثيرة للاهتمام، في كل يوم يزداد عدد فاقدي الأمل بأن هناك سيادة للقانون في فلسطين، وعندما أتحدث عن القانون فلا أقصد التشريعات والمواد التي تصدر كل يوم في ظل استفراد السلطة التنفيذية بالدور التشريعي الكامل مُنَحِّيةً ما تبقى من بقية للمجلس التشريعي، بل إن السؤال الحقيقي الذي يمكن من خلاله الوصول إلى حقيقة وجود سيادة للقانون في البلاد هو هل يتم تطبيق تلك المواد على أرض الواقع؟ من تجربتي الخاصة فحتى أصغر طفل في الضفة الغربية سيجيبك بلا، وحتى العاملون في هذا المجال نفسه سيعطونك الرد ذاته، فعندما تتحدث عن تطبيق صحيح للقانون فأنت تتحدث عن نظام قضائي قوي ومتمكن قادر على إثبات نفسه وفرض كلمته على مختلف مؤسسات الدولة، والنظام القضائي لا يتشكل فقط من القضاة بل إنه يحتوي ثلاث أذرع أساسية تسند كل منها الأخرى.

عندما تطرح هذا الموضوع سينقسم العاملون في المجال القانوني إلى قسمين؛ الأول يقول إن الجهاز القضائي في فلسطين يعمل بأقصى طاقته موظفًا أفضل إمكانياته، والقسم الثاني يقول إن الجهاز القضائي يعاني من خلل كبير لا يتوقف فقط عند جهة دون الجهات الأخرى، إلا أن ما أريده ليس مناقشة فعاليته من عدم فعاليته، فللإجابة على سؤال كهذا أنت بحاجة إلى بحث كامل طويل، ولكن السؤال المهم هو لماذا عندما تُحدِّث مواطنًا عاديًا عن القانون يرمقك بسخرية لاذعة؟ ولماذا عندما تأتي على ذكر المحامين يسدون آذانهم دون أن يفكروا حتى في الاستماع لبقية جمتلك؟ ولماذا عندما تنصح شخصًا باللجوء إلى المحكمة يرميك بنظرات ازدراء ساخرًا منك ومن محاكمك؟

لقد بات للمحامي سمعة سيئة لا مجال لتنظيفها ولو لمئة سنة قادمة، وبات للمحاكم هدف واحد هو تعذيب الناس ورميهم في غياهب أروقة لا نهاية لها، وباتت الصورة الجلية في عيون المواطن العادي أن القانون وجد إما لفرض الضرائب وجمع المال، أو لتهيئة الظروف لشخص محدد دون سواه، وليس من المستغرب أنك عندما تركب في إحدى سيارات الأجرة وتستمع لرجل طاعن يقول لك بكل وضوح «ما فش قانون في هالبلد، كلها زعرنة»، إن جملة كهذه لا بد لها أن تدفع بالعقول لتفتح بصرامة وقوة، فإن كان القانون في نظر المواطن الذي يفترض أن يكون محميًا به هو مجرد أداة لقمعه، بل إنه في بعض الأحيان أداة لا فائدة منها، فهذا عليه أن يدفع بالمجتمع القانوني الفلسطيني إلى النهوض من كبوة عظيمة.

فالقوانين باتت تسن دون أن تؤخذ مشورة من أحد، ولا أوضح على ذلك من قانون الجرائم الإلكترونية الذي ظهر وطبق وسرى في لمحة عين دون أن يدري به أحد، لا نقابة المحامين ولا نقابة الصحفيين ولا المجتمع المدني ولا مؤسسات الرقابة على القانون والقضاء.

أما المحاكم فحدث ولا حرج عن معاناتها الدائمة، إننا نثمن بلا شك الدور الهائل الذي تلعبه المحاكم بإمكانيات بسيطة لا يمكن القول إنها كافية، ولكن المحكمة هي حامية القانون وإن كانت دوائرها غير قادرة على القيام بعملها لشتى الأسباب، تقنية كانت أم بشرية أم مهنية أم مالية أم زمانية أم مكانية، الكثير من المشاكل تحيط بأبنية المحاكم، ومعظمها بحاجة إلى إعادة هيكلة وتجديد، بل إن بعضها يجب أن يهدم ويبنى من جديد، أما طواقهما العاملة فعندما تحاول مناسبتها مع الأعداد الهائلة للقضايا المكسدة في مكاتب القضاة، فستخرج إلى أنك بحاجة إلى ضعف الطاقم الحالي بثلاث مرات على الأقل حتى تحصل على النتائج المرجوة.

ليست سيادة القانون مجرد كلمة تقال في شاشات التلفزة وورش العمل والخطابات الرسمية، إن أردت أن تحصل على دولة يسودها القانون فعليك أن تبدأ بإعادة هيكلة الصورة السلبية المغروسة عميقًا في وجدان المواطنين، عليك أن تبدأ بإعادة هيكلة كاملة لكامل النظام القانوني دون أن يترك منه ذرة واحدة شاردة، ولكن إن لم ينظر إلى هذا كله، فمما لا ريب فيه أنه خلال السنوات القليلة القادمة سنحصل على وضع أكثر سوءًا، فإن كان المواطن قد فقد إيمانه بالقانون اليوم فسيفقد غدًا احترامه له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد