شكَّلت الوحدة اليمنية عام 1990م، مطلبًا استراتيجيًّا، وقفت وراءه العديد من الدوافع؛ إذ سعت القيادة السياسية في الشطر الشمالي إلى تحقيق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية – خاصة بعد اكتشاف النفط – وإيجاد نوع من التوازن السكاني والعمق الجغرافي؛  لمواجهة الضغوط الإقليمية والدولية. أما بالنسبة للجنوب فقد شكلت له الوحدة الوسيلة لحل الأزمات السياسية والاقتصادية؛ إذ كان يفتقر لمقومات الإنتاج الذاتي، ويعتمد على القطاع الخارجي، ومنها معونات الكتلة الشرقية، التي فقدها مع انهيار الاتحاد السوفيتي.

لم تشكل تلك الدوافع عائقًا أمام تحقيق الوحدة اليمنية واستمرارها، إنما كان في التطورات السياسية التي ظهرت بعد حرب 1994م، أهمها: إلغاء مجلس الرئاسة، وتولي علي عبد الله صالح الحكم بـصلاحيات شبه مطلقة، تمحورت فيها السلطة والتمثيل والنفوذ في أسرة صالح وقبيلته، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء السلطات الثلاثة؛ إذ تراجع التمثيل الجنوبي بدرجات كبيرة عما نصَّت عليه الوحدة عام 1990م، التي حددت حجم التمثيل بنسبة 54% للشمال، و46% للجنوب. وإلى جانب التهميش، الذي امتد أيضًا إلى مختلف النواحي الإدارية والعسكرية، لم يتم تنفيذ إصلاحات اقتصادية جادة قابلة للتطبيق، وذلك لعدم استكمال البناء المؤسسي للدولة، ولضعف إدارتها العامة، الذي نرى أنه ظهر بشكل واضح بعد  حرب الخليج الثانية، عندما عجزت الدولة عن استيعاب اليمنيين القادمين من دول الخليج، ونستطيع كذلك إضافة عائقين آخرين وقفا أمــــام نجاح الوحدة، واللذَين لا يقلان أهمية عما سبق ذكره، وهما:

  •   الدور الذي قامت به القبيلة في تطور الحروب الأهلية في شمال وجنوب اليمن.
  •  الوجود الصوري للمعارضة، التي جرى استرضاء أطرافها بالأموال والصلاحيات غير المؤهلة لها، وهو الأمر الذي أدى إلى انتشار مظاهر الفساد.

أدت الأسس والملامح غير الواضحة للوحدة، والقائمة على أسلوب عشوائي غير مدروس، إلى ظهور القضية الجنوبية عام 1998م، المطالبة بالانفصال وبحق تقرير المصير؛ المطالبة التي تطور مسارها مع عدم التعامل الجدي مع مطالبها، ليبرز  (الحراك الجنوبي)، الذي امتد من 2007م، وحتى وقتنا الحالي.

أظهرت القضية الجنوبية مدى فشل بناء دولة اليمن الحديثة، التي مُنيت بمؤسسات هشة – على وجه الخصوص الجيش والأمن- وانقسامات سياسية، ومن غياب الأهداف التنموية، والتوزيع العادل للثروة والسلطة؛ إلا أن ذلــك لم يعط المبرر الكافي لمشروعية الانفصال، سواءً على النطاق الإقليمي أم الدولي؛ إذ ينص أحد بنود الدستور اليمني على أن الجمهورية اليمنية وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، بالإضافة إلى أن المساوئ التي عانى منها أبناء الجنوب، لا تقل عن المساوئ التي عانى منها أبناء الشمال، فهي بطبيعة الحال كانت مرتبطة بالنظام.

وفيما يخص الموقف الدولي من مسألة الانفصال أو التقسيم في اليمن، فنستطيع قياسه من خلال «مبدأ حق تقرير المصير» الذي يمنح بثلاثة وسائل:

  1. إقامة دولة مستقلة ذات سيادة.
  2.  الرغبة في الانفصال عن الدولة، أو الانضمام إلى دولة مستقلة.
  3.  حرية التحول إلى نظام سياسي، وفقًا للإرادة الشعبية.

ومن الفقرة السابعة للمبدأ نفسه يتاح أيضًا للدول حق الدفاع عن سيادتها ضد حركات التقسيم أو الانفصال، فيطلب بذلك أمر تحقيق حق تقرير المصير، إلى  التوفيق بين اعتبارين متناقضين؛ الأول: حرية اختيار الشعوب ورغبتها في تكوين دولة مستقلة، والثاني: منع قيام  الحركات الانفصالية، كونها تمس وحدة أراضي الدولة وسيادتها. ويتدخل القانون الدولي في العلاقة ما بين الدولة ومواطنيها في حالة فقدان الدولة لشرعيتها، أو انتهاكها لحقوق الإنسان، مثل: استخدام أسلوب الإبادة والقتل الجماعي. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن نيل الاعتراف بالدولة المستقلة يستوجب توفر ثلاثة شروط، وهي:

  1.   الاعتراف بحالة الثورة.
  2.  الاعتراف بحالة الحرب.
  3. الاعتراف بالاستقلال، وبالدولة الجديدة.

فندرك من ذلك حجم الصعوبة التي وقفت أمام تحقق مطالب أبناء الجنوب اليمني، رغم المعاناة التي طالتهم في ظل الوحدة، التي كان من الممكن معالجتها من خلال مؤتمر حوار وطني، ينبثق من دستور يمني جديد، وقبل ذلك اتخاذ إجراءات سياسية عملية تعترف بالظلم الواقع، لتقدم بعد ذلك الحلول التي تعالج الحقوق والمطالب التي تولدت عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد