إن كنت من مستخدمي موقع فيس بوك فحتمًا ستكون قد صادفت عند تصفحك إياه مجموعة أو مقال أو صورة ساخرة (كوميك) ينعي فيه أبناء جيل الثمانينات شبابهم، وكيف أن شريط  قد مر على صدوره 15 عام وأن زلزال 92 قد مر عليه 20 سنة! what’s now 2000  فكما كان جيل الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي شهودًا على دخول عصر الراديو والتليفزيون كان جيل الثمانينات هو آخر جيل يشهد في طفولته بداية ظهور الدش والتحول عن التليفزيون المصري وكيف كان يؤمن لهم هذا ذكريات مشتركة تجمعهم، ثم دخول النت في نهايات التسعينات 1998- 1999 وكان بكروت شحن وبدائيًا للغاية والسرعة منخفضة للغاية ثم التطورات السريعة جدًا التي مرت بعالم النت حتى انتهى المطاف حاليًا بمواقع التواصل الاجتماعي، والتي استطاعت توثيق كل ما مر بهم وتكثيفه للغاية، وربما سولت لهم أنفسهم وظنوا خطأ أنهم مميزون عمن قبلهم ومن بعدهم فهم جيل ثورة يناير(غير الناجحة)، لذلك ظهرت تلك البكائيات، فهذا الجيل ليس الجيل الأعجوبة ولكنه ككل الأجيال – ويا للعجب- يكبر!

هم لا يتقبلون فكرة أنهم لم يعودوا طلاب المدارس والجامعات، وأنهم تخرجوا وتركوا العشرينات أو يودعونها إن كانوا من مواليد النصف الثاني منها. بعضهم تزوج أو لم يتزوج وأصبحوا يعملون ويواجهون الحياة في مراحلها غير البراقة.

للأسف تُركز الأدبيات الاجتماعية وحتى الميديا على مرحلتي الجامعة وما يتبعها من زواج وفقط وكأنها ذروة وجود الإنسان، ثم ينسى نفسه كليًا ويفنى في سبيل أبنائه، هذا الأمر لم يعد مستساغًا في ظل عصر الفردية والذي يعظم استمتاع المرء للدرجة القصوى لأنه سيعيش حياة واحدة فقط، فكانت المراحل التالية ليست بجمال المراحل السابقة، والتي يلعب فيها المرء الدور الرئيسي في الأخذ وهو طالب. وترسخ ذلك في وجدان الأغلب للأسف.

نعم قد تكون مرحلة الجامعة متجددة، ويكون المرء فيها كبيرًا، ولكن بدون مسؤوليات الكبار المادية، نتعرف على الأصدقاء ونواجه جزءًا من الحياة العملية ولمن تزوج فالأمر له بهجته للأهل وللشخص نفسه (وللطرافة قد يكون تعظيم الأخذ هو سبب فشل الزيجة وليس هو السبب الوحيد، فمجتمعنا يعاني للأسف من أدواء كثيرة)  ولكن بشكل عام لا يتم التفكير و التأصيل الاجتماعي للمراحل التالية، حتى وإن تكلم فيه الكبار أو السابقين في الخبرات يأتي الكلام بشكل سلبي (لأن ثقافتنا للأسف بشكل عام تركز على السلبيات دائمًا دون الإيجابيات مع العاطفية كسمت عام في تناول الأمور فتبعث ضيقـًا في النفوس)

فيكون في الوجدان الجمعي ضيق من فكرة المسؤولية وينحصر سؤال بعضهم في هل سأتعب وأعمل فقط لكي أوفر البامبرز للطفل؟! رغم أن لها جوانبها الإيجابية وما يختلف هو الصورة، ولكن للأسف التناول أصبح عقيمًا للغاية.

لماذا ؟

ربما كان الأمر خاصًا بثقافة المجتمع حاليًا – والذي يزيد كلما اتجهنا للمدن ويقل كلما اتجهنا للقرى – فالفردية هي السمة الغالبة في المدن، الأخذ وعدم تحمل المسؤولية يزداد مع الوقت، كما أن ثقافة التيك أواي ثقافة براقة، تهتم بالمظهر دون الجوهر والمعاني الأصيلة والتي تتغافل عن المظهر في أحايين كثيرة. ويكون المرء في أوج صوره وأجملها في المرحلة الجامعة، ويتمنى للشباب أن يكون دائمًا، ويعزز من إحباطنا بشكل لا واعي صور الممثلين والمغنيين الذين لا يكبرون أبدًا، فمن كنا نراهم في طفولتنا في عز شبابهم مرت الأيام وأصبح شكلنا أكبر منهم في العمر!

على عكس المجتمعات التقليدية والتي لا يكون للشباب مثل التقدير الذي يحصل عليه الكبار، ويكون الكبر شيئًا طبيعيًا وهو مآل الأشياء ولا ينفر أحد منه ولا يريد أحد أن يحتفظ بشبابه للأبد، فالرجل كلما كبر كلما كانت له كلمة مسموعة في العائلة وأصبح الكبير الذي يلجأ إليه الجميع ومحط التقدير، والمرأة لها عزوتها بأبنائها، وأصبحت كبيرة الأسرة للشؤون الداخلية دون نقاش وطاعتها واجبة النفاذ على الجميع، وقد تصل سطوتها فيما مضى لاختيار زوجات أبنائها، والمفاضلة بين المتقدمين لخطبة بناتها. وقد تستغرق زوجة الابن وقتًا طويلًا كي تتمتع بالاستقلال وتكون هي سيدة بيتها والكبير، بنية المجتمعات التقليدية قد تكون صارمة وتقضي على الفردية، ولكنها لا تسير ضد الزمن.

الحل في رأيي لتلك المعضلة يتوقف على فهم طبيعة عصرنا ومحاولة مجابهتها، فالوقت لا غنى عنه لإنضاج الأشياء، وهناك أشياء لا تبنى إلا بالوقت ومروره، ولا بديل عن ذلك مهما قرأنا مئآت الكتب في كيفية التعامل، كما ،ن الرتابة ليست دائمًا سيئة، فأي عمل ناجح لابد له من جزء رتيب لا نحبه، المذاكرة مملة لازمة للنجاح، الطهي وغسل الواعين ممل لازم لإنجاز الطعام الشهي، الطفل لا يولد إلا بعد 9 أشهر، هذا سمت الأشياء وطبيعتها، ترويض النفس وإجبارها على الصبر على ما لا تطيق من الأعمال من أجل الهدف النهائي نريده ونرغبه بشدة؛  يجعل المرء يشعر بسمو حقيقي وأنه يسيطر على نفسه لا هي التي تسيطر عليه وأنه هو من يروضها لا هي من تسوسه، سيشعر بتحرر حقيقي لا يمكن وصفه إلا بالمرور بتلك التجربة.

كما أن الوقت له أحكامه لا يمكن تحديها، الأفضل أن نتعلم كيف نتعامل معها، مثلًا في مرحلة الشباب لا ننتبه لضرورة الحفاظ على الصحة وخفض الوزن والأكل الصحي وقدر من اللياقة البدنية التي تضمن جسدًا معقولاً في الكبر، من عبر الثلاثين سيلاحظ بوضوح تغير معدل الجسم للحرق وسيقل هذا المعدل بمرور السنوات، لا نعرف كم سنعيش في تلك الدنيا، ولكن لماذا لا نحافظ على نعمة الصحة قدر الإمكان؟ لما قد يأتي؟

تراكم الخبرات السلبية غالبًا والتي تكسر براءة الشباب، قد يجعل المرء متشائمًا دائمًا ويفقد القدرة على تكوين صداقات جديدة ويتوجس دائمًا ويعمم الأحكام السلبية على الجميع، الوقت هو ما يعطي المرء القدرة على التمييز ما ومن أمامه إن كان لديه استعداد لذلك. الانحباس في مرحلة عمرية ما بذكرياتها هو بدء الهرم النفسي، ليحاول المرء التجديد دائمًا كي يصنع لنفسه ذكريات دائمًا بشكل متجدد، تلك الذكريات قد تكون نجاحًا في عمل ما، سفرًا جديدًا، تعليم طفلك مهارة جديدة، وهكذا، قد تكون مرحلة الجامعة جيدة ولكن ربما حملت لنا الأيام ذكريات جديدة طالما استمررنا في السعي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد