لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ سلسلة من المقالات أتناول فيها أهم ملامح الصراع المشروط، الذي دار ما بين الأنظمة والفصائل. وذلك منذ بداية الحقبة الناصرية حتى مرحلة الوصول إلى الحكم، ثم إضاعته. وإنني في هذه المقالة سوف أتناول اعتصام رابعة من إحدى الزوايا المهمة والخطيرة جدًا، والتي تتمثل في عملية التعتيم، أو إن شئت فقل «عملية التضليل» التي تعرض لها المعتصمون ثم بقية الشعب المصري، على حد سواء، وإن المتسببين في ذلك هم الفئة التي أدارت المشهد وقتئذ.

لم تكن عملية التضليل قاصرة على فترة الاعتصام وحسب، كلا؛ بل إنها استمرت إلى ما بعد ذلك، ولا زالت.

– رابعة، هي تلك المنطقة العسكرية التي وقع عليها الاختيار، قبيل عزل الرئيس محمد مرسي، رسميًّا، لتكون مركز الانطلاق للدفاع عن شرعية الرئيس، الذي عزله وزير الدفاع مساء الثالث من يوليو (تموز) 2013.

– وإنني أعلم علم يقين أنه ما ذُكِرت رابعة عند أي أحد، إلا واستدعى مشاهد الدماء والأشلاء، وتلك جريمة بكل المقاييس، ولا يجادل أحد في هذه. ولكن هناك مشاهد أخرى لا بد وأن تكون حاضرة بقوة عند تناول اعتصام رابعة.

– فمن منا ينسى الخطاب العنتري الذي كانت تطلقه القيادات المختلفة من فوق منصة رابعة؟ ومن ينسى تحذيراتهم لقوات الأمن من أن تقترب من ميدان رابعة؟ ومن ينسى كلامهم عن عودة الدكتور مرسي، غدًا أو بعد غد إلى منصبه؟ (والغريب أنهم تركوه فريسة سهلة لخصومه حتى ألقوا القبض عليه، رغم جلاء المعلومات وتعدد الخيارات!).

من ينسى كلامهم عن أن الدكتور مرسي سوف يتناول الإفطار بين المعتصمين يوم كذا؟ من ينسى كلامهم عن أنه لا نية للمصالحة مع أي طرف إلا بعد عودة مرسي والدستور والبرلمان وإخراج المعتقلين؟ من ينسى تأكيدهم رفض التفاوض، وأنه لا تفاوض مع مجموعة من الخونة والعملاء، وأنه لا تصالح مع أحد إلا بعد عودة مرسي؟ ومن ينسى أنهم، وبعد فض اعتصام رابعة ظلوا ينفون قبولهم التفاوض والتنازل عن شرعية مرسي؟ وهذا هو المحور الذي سوف أتناوله في مقالتي هذه «التفاوض والتنازل عن شرعية مرسي».

– في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، بث تلفزيون قطر الرسمي مقابلة مع وزير الدفاع القطري «خالد العطية»، والتي تحدث خلالها، في إشارة سريعة، عن أمر التفاوض والمصالحة في مصر عقب 3 يوليو 2013، حتى فض اعتصامي رابعة والنهضة.

– بادر الدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي، في عصر مرسي، بنفي حدوث أي تفاوض سياسي خلال تلك الفترة، واصفًا ما كان من جهود بالمباحثات التي تهدف إلى تهدئة الأجواء.

وتأكيدًا لذلك نشر المعهد المصري للدراسات، في الثالث والعشرين من نوفمبر 2017، ، ترجمة لتقرير أعده الصحافي «ديفيد كيركباتريك» لصحيفة نيويورك تايمز، بعنوان «أمريكا والانقلاب وحديث المفاوضات: أين الحقيقة؟». صاحب التقرير مقدمة، للدكتور عمرو دراج، يوضح من خلالها سياق الأحداث في تلك الفترة، مؤكدًا، بما يتسق تمامًا مع خطاب منصة رابعة، ذلك الخطاب الذي كان يؤكد دائمًا رفض الدخول في أية مفاوضات، مع التمسك بعودة مرسي ثم عودة البرلمان والدستور، إلى آخر المطالب المعروفة. ولقد أشار دراج إلى تخاذل الإدارة الأمريكية.

– أما تقرير نيويورك تايمز، فلقد ورد به في هذا «الشأن أن المجلس العسكري بقيادة السيسي، لم يبد أية رغبة في التوصل إلى التهدئة التي كانت تسعى إليها الوفود الخارجية، كذلك الوفد الذي ضم كل من: «وليم بيرن» مساعد وزير الخارجية الأمريكي، و«خالد العطية» وزير الدفاع القطري، و«عبد الله بن زايد» وزير الخارجية الإماراتي.

– ولقد أكد التقرير أيضًا أن المجلس العسكري لم يبالِ بمساعي المسئولين الأمريكان الذين توافدوا إلى مصر بغية التوصل إلى مخرج لإنهاء الأزمة، وكان من بين المسئولين الذين ذكرهم التقرير: «برناردينو ليون»، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لشؤون جنوب البحر المتوسط، في تلك الفترة، و«جون ماكين»، و«ليندساي جراهام»، وهما من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بالإضافة إلى «تشاك هاجيل» وزير الدفاع الأمريكي.

– ولقد أشار التقرير إلى فشل كل الجهود التي بُذِلت، على كافة المستويات الداخلية والخارجية، التي دأب أصحابها على البحث عن مَخرج، والسبب في ذلك هو وجود رغبة من جانب المجلس العسكري في الوصول إلى مرحلة فض الاعتصام بالطريقة التي كانت صباح 14 أغسطس (آب) 2013».

والخلاصة من هذا التقرير، أن المجلس العسكري لم يرتضِ سبيل المصالحة أو التفاوض من أجل إنهاء الأزمة، وأن الأحداث التي شهدتها تلك الفترة كانت مفروضة على الجميع من قِبل المجلس العسكري وقتئذ، لكي تصل الأمور إلى نقطة يُراد الوصول إليها. حتى أن الأمريكان وغيرهم من مسئولي الاتحاد الأوروبي قد تعرضوا للخداع. ولقد حذروا من حمامات الدم التي قد تغرق فيها مصر.

– ومن ثم، فإن تقرير نيويورك تايمز لم يذكر شيئًا عن أية تنازلات قدمتها جماعة الإخوان المسلمين خلال تلك الفترة، غير سعيهم لتهدئة الأجواء. لذلك ربما كان حقًّا لهم أن يرددوا شعارات الثبات والصمود، وأنه لا تنازل عن شرعية مرسي. غير أن الدكتور محمد محسوب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس النيابية بوزارة هشام قنديل، قد أكد حدوث مفاوضات سياسية جادة خلال فترة ما قبل فض الاعتصام. ولقد نشر ذلك الدكتور محسوب على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كما وَرَدَ ذلك أيضًا في موضوع صحافي نشره موقع جريدة المصريون، في 8 فبراير (شباط) 2018، بعنوان «مرسي وافق على التنازل عن صلاحياته، وهذا شرط السيسي».

– ولقد أعلن محسوب أن الحل الذي انبثق عن المفاوضات وقتئذ قد تمثل في: «تفويض الدكتور مرسي سلطاته لرئيس وزراء يقع عليه التوافق، لحين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ولقد قَبِلَتْ كافة الأطراف بهذا الحل، إلا من أعدَّ لعمل مذبحة (وتلك إشارة)، وقد أُعلِن الإطار الدستوري للحل في السابع والعشرين من يوليو 2013، في دار الحكمة باجتماع ضم رموزًا سياسية، ومنهم المستشار طارق البشري، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور سيف عبد الفتاح، وآخرون».

– ومن ثم أقول: حينما يذكر الدكتور محسوب أن الرموز السياسية قد توصلت إلى حل، ثم يقول لقد توافقت عليه وقبِلَتْهُ كافة الأطراف، إذن لا يمكن، بل محال استثناء جماعة الإخوان ومعها بقية الفصائل، من هذا التوافق والقبول. وبناءً على ما قد سلف، فإن الجماعة تفاوضت وتنازلت عن الشرعية، كل هذا كان في فترة الاعتصام، وبرغم ذلك استمر خطاب منصة رابعة في تضليل المعتصمين، وهذا ما كان منذ اليوم الأول حتى اللحظات الأخيرة.

إن المسئولين عن إدارة ميدان رابعة، قد أخطؤوا خطأ شنيعًا في حق المعتصمين، ثم في حق الشعب المصري، فسقف المطالب التي كانت معلنة فوق المنصة كان مرتفعًا حد اليقين في تحقيقها، وعند التفاوض كان التنازل عن كل شيء، حيث العودة إلى ما دون الصفر.

وإنني أطرح هذه الأسئلة: لماذا لم يعلنوا للمعتصمين وللشعب المصري بل وللعالم كله وقتئذ، عن تلك الأمور العظام؟ لماذا لم يضعوا الحقائق أمام الشعب وقت وقوعها حتى يكون على بينة من أمره بعد ذلك؟ لماذا لم يعلنوا للعالم وقتها أن السيسي هو الذي رفض كل الحلول، وأنه يسعى إلى الحكم من خلالهم؟ لماذا تركوا الإعلام يُصدِّر للداخل والخارج أنها حرب، وأن كل معسكر يتمسك بمطالبه؟ لماذا أصروا على الكذب خلال مراحل الاعتصام وما بعده؟ لماذا لا يثقون في عقلية الشعب المصري، ولا يثقون إلا في عقولهم «التي بسببها وصلت مصر إلى ما وصلت إليه اليوم»؟ لماذا كانوا يوهمون المعتصمين بخطاب عنتري، وتهديدات جوفاء، ومطالب خيالية ما كانوا يمتلكون القدرة على تحقيق أدناها، بل ما كانوا يمتلكون من أمرهم شيئًا؟ (وهذا ما أثبتته الأيام). لماذا تعمدوا التضليل والخداع لأتباعهم وأنصارهم حتى سُفِكَت كل هذه الدماء؟ لماذا تركوا المجتمع فريسة للانقسام، ليقع بعض أفراده في فخ البذاءات والسبِّ والتخوين؟ لماذا لا تخرج الحقائق فقط إلا عند الضرورة؟ فإما لتبرئة شخص، وإما لإدانة آخر. ثم ما هو مفهومهم وتصورهم عن الثبات والصمود؟

– وإني سوف أجيب عن تلك الأسئلة من خلال ممارستهم منذ 2013 حتى الآن. أولًا، هم يتعاملون مع الشعب على أنه فاقد للأهلية، بل إن بعضهم ينظر إلى الشعب على أنه مجموعات من العبيد الذين يعشقون الذل والهوان ويكرهون الحرية، وبالتالي فلا ينبغي للشعب أن يتعرف إلى حقيقة الأحداث، لأنه قد يضر نفسه. لقد نسوا أن الشعب هو الذي أوصلهم إلى الحكم، ولقد نسوا أن الحفاظ عليه كان من مسئولياتهم.

– ثانيًا، إن مصلحة الجماعة في هذه الفترة تتطلب الكذب والمراوغة على أي أحد. أما مصر وشعبها فتلك مسألة فيها نظر، وهكذا هو العقل الجمعي لكل فصيل من الفصائل، بل إن كل فصيل يرى أنه الأحق بكل شيء، لأنه الأصوب في كل شيء، وأن غيره (ولو كان فصيلًا) لا يستحق أي شيء.

– ثالثًا، الصمود والثبات لديهم يعني أن كل ما يقعون فيه ويتعرضون له بسبب ممارساتهم فهو ثبات وصمود. هذا مع الاعتقاد الراسخ أن كل الأطراف قد وقعت في الأخطاء إلا هم.

– ويروق لي أن أذكر هذا الموقف، وفيه دلالة مهمة جدًا:

قبيل مغادرة بعثة المنتخب المصري للمشاركة في بطولة كأس الأمم الأفريقية التي أُقِيمت في دولة بوركينا فاسوعام 1998، وجَّه أحد الصحافيين إلى الكابتن محمود الجوهري، المدير الفني للمنتخب، وقتئذ، هذا السؤال: ما هو المركز الذي تتوقع أن يحققه المنتخب المصري في هذه البطولة؟ فأجاب الجنرال، محمود الجوهري، قائد الفريق وقتئذ: أتوقع أن يحصل المنتخب المصري على المركز الثالث عشر.

– إنها الكرة، ولكن هكذا فكَّر وأجاب الجوهري، علمًا بأن عدد الفرق المتنافسة على اللقب كان 16 فريقًا. والغريب أن الجوهري عاد حاملًا كأس البطولة بعد أن حصل على المركز الأول. هذا هو القائد، الذي فرَّق بين ما يتمناه وبين ما يجب أن يعلنه للجماهير، فكان ما حققه أكبر بكثير مما وعد به، ولو أنه أخفق، فما كان سيجد نفسه مضطرًا للبحث عن مبررات، لأنه لم يخدع أحدًا. والدلالة من ذِكري لهذا الموقف هي أن القيادات في رابعة قد فعلت عكس ما فعله الجوهري تمامًا. لقد عجزت الفصائل التي طال أمدُها وقلَّ مددها أن تصنع قائدًا يزن الأمور ويقدر خطورة الظرف.

– وحتى لا يُفهم الكلام على الوجه الخاطئ، هناك فارق كبير بين الإعلان عن الأمنيات والطموحات، التي قد تُسبب صدمة عنيفة مدوية في حال الإخفاق (وبخاصة حينما تكون قدراتك ضعيفة مهلهلة)، وبين إعلان الحقائق التي تكون بمثابة الدليل لشعب كامل يبحث عن طريق النجاة.

– وأختم بهذا السؤال: لماذا لا يطالب قادة الرأي والحكماء في مصر كلَّ من عاشوا في أروقة السلطة أو اقتربوا من دائرة صنع القرار، في تلك الفترة، أن يعلنوا عن الحقائق والمعلومات، حتى يكون التأسيس للقادم على أرضية سياسية متينة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد