لم يأت المداخلة ببدع من القول في جل مواقفهم وآرائهم وفتاواهم التي أدت للفرقة والتمزق بين الحركات الإسلامية، والتي منحت كذلك الشرعية للحكام المستبدين والانقلابيين الدمويين. وكانت هذه المواقف والفتاوى والحرب المستعرة بين الإسلاميين وبعضهم البعض سببًا كذلك في عزوف كثير من الناس عن الإسلاميين وعن مشروعهم الإسلامي. غير أن المعطيات التاريخية لولادة الفكر المدخلي، تجعل المتتبع يُقِر أن هناك أصولًا شرعية ومدارس فقهية مشتركة اعتمدتها المداخلة وعدد من الحركات الإسلامية المعاصرة التي سبقتها بهذه الأصول، كالسلفية والإخوانية والجهادية والتحريرية. ومع أن هناك تباينات في التطبيق والقناعات بين مختلف هذه الحركات، غير أن هذه الاختلافات تبقى محدودة حسب رؤية كل حركة لمصلحتها الخاصة، ومنهجها الذي اقتنعت أنه يؤول إلى الصواب. والمداخلة التي ولدت فكريًّا من رحم هذه الحركات سواء الوسطية منها أو المتطرفة، يمكن اعتبارها الابن الشرعي لها، وإن كان عاقًّا لها في كثير من الأحيان.

يتسم الفكر المدخلي بأسس وركائز استمدت لبناتها من تيارات فكرية أخرى، غير أنها صنعت نسقها الفكري بطريقة مغايرة ومختلفة، ونهجت مسارها في اتجاه قد يختلف عن الحركات التي انبثقت منها في ولادتها الأولى. فالفكر السلفي خاصة أسس للمداخلة كثيرًا من مفاهيمهم. من هنا يتبين جليًّا أن الذي يبحث في هذه الحركات الشاذة كالمداخلة محاولًا علاج هذا الخلل الصارخ في توجههم الفكري، يلزمه الأخذ بعين الاعتبار العلاقة المهمة التي تربط هذه الحركة بتيارات فكرية أخرى، فالفكر السلفي أسس للمداخلة كثيرًا، والرابط الذي يجمع السلفية بالإخوان يعتبر واضحًا، وهذا ما أكده مؤسس جماعة الإخوان السيد (حسن البنا) بكون «الإخوان دعوة سلفية».

التحامل والتعصب الذي ينهجه المداخلة تجاه غيرهم من الإسلاميين لم يكن أبدًا حكرًا على المداخلة ولكن في حقيقة الأمر إن الإقصاء والشدة في معاملة الخصوم والاستعلاء والعصبية هي من شيم كل الحركات المعاصرة، مع أنها جميعًا تدعي السعي لنفس الهدف (إقامة الخلافة) وتُدرس نفس المبادئ الإسلامية النبيلة من أُخوة وتعاون ورأفة ورحمة وبراء وولاء. وهذا الانفصام بين النظرية والتطبيق لا يمثل في الواقع إلا نموذجًا مُنفرًا، يضايق المواطن البسيط ويحيره، ويجعله يعزف بشكل نهائي عن «المشروع الإسلامي».

رغم أن الطبيعية البشرية تحتم على الجماعات  والأفراد الاتحاد والتماسك لحظة مواجهة العدو، إلا أن وباء الإقصاء ما زال منتشرًا في الحركات الإسلامية في كثير من دول العالم، والنزعة النرجسية والاستعلائية لا تزال السمة الغالبة في معظم الإسلاميين سواء عند المداخلة أو غيرها من الحركات، وهناك نماذج حية ترسم لنا هذا الواقع بوضوح، فمن المجاهدين الأفغان الذين تفرقوا عند قتالهم السوفييت، وفتحوا الباب لولادة طالبان والقاعدة وداعش ثم انهزموا، إلى ثوار سوريا الذين انطلقوا بخلفية إسلامية يدافعون عن العرض والمال والدين، ولم يشفع لهم ذلك في أن ينقسموا إلى كتائب وفرق شتى، لتصير حلب الشهباء مرتعًا للروس والشيعة والعلويين، الذين حولوا مهد حضارتها إلى دماء وأشلاء وقتل وتخريب، وجعلوا منها مدخلًا لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي خلق الفتنة باسم الدين والشرع والخلافة. هو واقع نعيشه لم يجد له المسلم ذو الفطرة السليمة، أي تفسير أو تعليل مقنع، ولعل في هذا المقال الذي نشرته الجزيرة للأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي، نجد توضيحًا وتلخيصًا لواقع الإسلاميين في سوريا:

«دخلت جماعات السلفية الجهادية العالمية على خط الثورة السورية، فخلطت الأوراق، وأفقدت الثورة السورية طابعها الوطني، وجردتها من رسالتها السياسية، تلك الرسالة الناصعة، الداعية إلى بناء سوريا حرة ديمقراطية تحقق العدل والحرية لجميع أبنائها، دون ازدواجية ولا مثنوية. واستعاضت جماعات السلفية الجهادية عن تلك الرسالة السياسية الواضحة المعالم برؤيتها الضبابية، التي تقاوم الاستبداد عمليًا وتسوِّغه نظريًا، وتعلن الحرب على العالم أجمع، وتحلُم بخلافة إمبراطورية لا حدود فيها ولا وطنية، بعد أن طلَّق العالَم ظاهرة الإمبراطوريات إلى غير رجعة منذ أكثر من مائة عام!

ولم يسع الجهاديون الوافدون على سوريا إلى أن يكونوا مددًا للشعب السوري في حربه العادلة، بل سعوا إلى التحكم فيه وفي خياراته، وحملوا معهم إلى الأرض السورية عداواتٍ لا تُحصى، وحمَّلوا الشعب السوري ثمن تلك العداوات وهو أغنى الناس عنها، في لحظة يواجه فيها تحالف الشر الشيعي الروسي، ويحتاج صداقة بقية العالم لا عداوته. ولو كانت جماعات السلفية الجهادية العالمية تملك الحد الأدنى من الحس الاستراتيجي، لكان الأولى بها أن تخذِّل عن الشعب السوري، وتُشاغل أعداءه عنه من بعيد، بنقل المعركة إلى أرضهم، بدل النفير إلى الأرض السورية، والتحول إلى وقود يزيد الاشتعال عليها. وليت شعري ما الذي يفعله مجاهدون شيشان وداغستانيون على الأرض السورية، ورأس الأفعى عندهم في موسكو؟!».

ومن المظاهر السلبية التي عززت الصورة النمطية للإسلاميين خاصة المداخلة والسلفية، عدم اعتمادهم على المنهج العلمي والاسلوب المنطقي في الاستنباط والاستنتاج، ويظهر هذا جليا في تجرؤهم على المذاهب التي تلقاها عامة المسلمين بالقبول، وفي أسلوبهم الخشن ومعاملتهم الفظة، متناسين قوله عزَّوجلَّ: «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك».

وأكثر ما يؤخذ على المداخلة وبعض السلفية من قبل حركات الإسلام السياسي كالإخوان والجهاديين والتحريريين هو الموقف الصريح في القبول بحكم المستبد مهما كان، بل والترويج له والمدافعة عنه وفي بعض الأحيان القتال في صفه كما في ليبيا مع الأسير المتقاعد حفتر في حربه ضد الثوار وضد الثورة. وهنا كذلك لم يأت المداخلة والسلفية بجديد. ففقه الغلبة فقه أصيل معتمد لا ينكره أحد حتى المعادين للمداخلة (انظر فقه الخلافة للسنهوري) وما استماتة المداخلة والسلفيين في الدفاع عن مشير مصر الحالي وعقيد ليبيا الراحل واعتبارهما أولياء أمر لا يجوز الخروج عنهما، بل ويتعين السمع والطاعة لهما في المنشط والمكره إلا امتثالا لهذا التأويل الذي يعتبرونه أصلًا من أصول الدين. فعامة علماء السنة يقولون بالسمع والطاعة للحاكم المستبد (بل بتنصيبه خليفة) إن كانت له قوة ومنعة. وهكذا كانت الحركات الإسلامية الأخرى في تعاملها مع الحكام وفي قبولها للمناصب في الحكومات الدكتاتورية ودخولها إلى غمار الانتخابات الصورية، ومساندة كبار أئمتهم كالشيخ محمد حسان والشيخ يوسف القرضاوي في وقت ما لأكثر الحكام استبدادًا كمعمر القذافي وبشار الأسد، فكل حركة إلا ولها تأويلاتها المصلحية التي تسعى لتصل بها إلى السلطة ولو على حساب المواطن البسيط الذي ناضل طويلًا من أجل حريته وكرامته، ولها قناعاتها في اختيار أخف الضررين أو الإيمان بفقه الغلبة أو التدرج والتمهل في الوصول إلى الخلافة المزعومة، وكل هذه التوجهات على تعددها لم تفلح في استقطاب المواطنين، وإنما زادت من نفورهم للمشروع الإسلامي بمختلف تجلياته، وعززت من عداوة العلمانيين والقوميين الوطنيين لكل الحركات السياسية ذات الخلفية الإسلامية.

ومع انقسام الحركات الإسلامية بخصوص النظم السياسية الحديثة فمنهم من يجرم المشاركة فيها ومنهم من يسعى لخوض غمارها بكل قوة وبكل سبيل، إلا أننا نجد وجوه للتشابه بينهم جميعًا. فالحركات الإسلامية التقدمية تحاول التأقلم مع نبض الشارع وبما أنها لم تستطع تقديم البديل فكونت فكر «مرحلي» لخوض غمار الانتخابات للوصول للمجالس التشريعية وللرئاسة وأعلنت للعامة وللمجتمع الدولي إيمانها بالديمقراطية  وتداول السلطة والانتخابات. أما الحركة السلفية فانقسمت على نفسها فمنهم من حرم ذلك إلا بنية تحويلها إلى حكومة إسلامية، ومنهم من قال بوجوب المشاركة في العملية الديمقراطية لقطع الطريق عن المفسدين واختيار أقل الضررين. وقد ذهبت حركة المداخلة إلى الأخذ بهذا الاتجاه. وأمام تباين هذه التوجهات في التعامل مع الحياة السياسية، والمعززة كلها بحزمة من الأدلة والبراهين الشرعية التي تخفي بين ثناياها المقصد الحقيقي، يقف المتتبع حائرًا بينها ولا يسعه إلى أن يتهمها بمحاولة الخداع والتضليل.

وقد ساهم هذا الاضطراب في مفهوم السياسة الشرعية والتذبذب في القبول بالديمقراطية والانتخابات والشغف الزائد بل والوله بمفهوم الخلافة على الرغم من كونه مفهومًا هلاميًا غامضًا في تفاصيله ساهم كل ذلك في اتهام هذه الحركات بالانتهازية وفقدانها للمصداقية. فجميع هذه الحركات المعتدلة والمتشددة والمتطرفة والوسطية لا زالت تتبنى مفاهيم إمبراطورية الخليفة الذي يجب أن يكون مجتهدًا مطلقًا وأن يكون قرشيًّا، وأنَ له (حتى الخليفة المستبد الفاسد) أن يستخلف من يخلفه ومن يخلف من يخلفه، و له حق السمع والطاعة وإن كان انقلابيًا سفاحًا ظالمًا منتهكًا للحرمات، وله أن يأخذ من مشورة «أهل الحل والعقد» ما يشاء أو أن يترك، ويكون حكم هذا الخليفة لمدى الحياة! وهكذا أنتج هذا الفكر الذي ما زالت تنادي به كل الحركات الإسلامية المعاصرة بدون استثناء دكتاتوريات بغيضة استمرت في الحكم مئات السنين. وسبب ذلك كله هو الإصرار على تحميل الدين تفاصيل دقيقة لم يحملها له القرآن ولا السنة و كان من الأفضل أن تترك لخصوصية كل زمان ومكان. وكان كل ذلك سببًا في اتهام الحركات الإسلامية بالانتهازية وإنها إنما تستخدم الديمقراطية مطيةً للوصول للحكم ثم لتنقلب على مطيتها في أول فرصة لتحقق حلمها في تنصيب الخليفة.

منطق المداخلة إذًا لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة لهاته التقاطعات الفكرية والفقهية والسياسية للحركات الإسلامية التي استعملت الدين وتلحفت به وكان الأجدر ألا تقحم الدين في تجاذباتها السياسية وصراعاتها الفكرية وحروبها الطائفية والعرقية. لا بد إذًا من تجديد كل مفاهيم السياسة الشرعية وعلى رأسها مفهوم الخلافة باعتباره الرابط المشترك الذي تتفق علي تحقيقه كل الحركات السياسية الإسلامية، وهو الوجبة الدسمة التي تتغذى عليها الحركات المتطرفة كالمداخلة والقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التي جعلت من القتل والتخريب والتدمير وسيلة تلهث بها نحو سراب اسمه «الخلافة».

التجديد لا يعني بالضرورة الشروع في تأليف ونشر آلاف المجلدات والآراء والمذاهب الجديدة وممارسة الترف الفكري بحجة «شمولية الدين»، بل أفضل التجديد في هذا الباب أن يتوقف الفقهاء عن الخوض في كل تفصيل ليس من أصل الدين والكف عن اصطناع الأحكام والمبالغة في القياس، وأن تترك تفاصيل الحكم ونظمه للشعوب والخبراء من أجل مدارستها والنظر فيها، وتحديد النظم السياسية المثلى، التي من شأنها أن ترتقي بتطلعات الشعوب، وتحقق طموحهم، وتصنع لهم حضارة الغد. وإما أن يقوم المخلصون الوسطيون بهذا التجديد أو أن يختطفه أمثال المشير السيسي الذي يود أن يقود هو وقبيله من الشيوخ والأئمة والفقهاء تجديدًا يعيد به أمجاد أجداده المماليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلامية
عرض التعليقات
تحميل المزيد