انهال على الإسلاميين مصطلحات التطرف والإرهاب، وتناسى العالم والإقليم بل والنطاق المحلي إرهابًا شرسًا وتطرفًا يملأ مناحي الحياة، حتى اختلت الموازين؛ بل تمادى البعض فتنكّر لإسلامه أو استحى منه! وتفاخر البعض أنه لا يصلي، والآخر تفاخر بعجزه عن قراءة كتاب الله! بينما لا يستحيي أرباب الجرائم من جرائمهم.

وفي مصر منذ عام 2013 انكشفت أمور وسقطت أيديولوجيات وادعاءات بالحرية واحترام الآخر والتداول السلمي، إلى آخر تلك الادعاءات التي لا تتعدى أفواه أصحابها وهم يعلمون أنهم يكْذبون.

رأينا (الليبرالي!) إرهابيًا يريق الدم من أجل ترسيخ العلمانية في البلاد، ويعِد بالمزيد من الدماء ويراها جرعة لا بد منها، ويدعو إليها ويبرر ويستر من يقوم بذلك، ويمجد القتلة ويشوه الضحايا حتى صار الناس كأنهم في كابوس؛ يصرخون من الظلم ولا يسمعهم أحد.

إنهم ذلك الصنف الذي يغفل الناس عنه، أولئك الإرهابيون (الليبراليون!) القتلة، والمتطرفون العلمانيون.

من صفات الإرهابي (الليبرالي) أنه لا عمق له ولا جذور، فهو منبتّ الصلة عن هذ الأمة، يشعر نحو الانتماء لها بالعار! ويتنكر لتاريخها وسيادتها التي امتدت لأكثر من ألف عام يعترف بها الغرب المعادي ويتنكر لها المقلد الليبرالي! حتى نادى بعضهم على صفحات الجرائد أنه ينبغي على الناس أن يعلموا أولادهم أن التاريخ الإسلامي ليس فيه ما يشرّف!

ولما كان لا عمق له ولا جذور فلا قبول لقوله إلا في فئات منسلخة فارّة من دين الله تعالى ترى فيه قيدًا على شهواتها، لا منهجًا هاديًا ونورًا منزَّلًا، وحينئذ يستعين الإرهابي الليبرالي بالجيوش والعسكر لفرض إلحاده وإباحيته ورؤيته! ثم يقول يا هلا ومرحبا بالحرية في اتجاه واحد!

يُظهر الإرهابي الليبرالي أنه (ابن ناس!) رقيق المشاعر مرهف الحس لا يتحمل مشهد ذبح دجاجة ليأكلها، وأنه سيغادر البلاد ويترك الدنيا حينما تُذكر حدود الله في الزناة الفجرة، واللصوص السارقين، والقتلة، وقُطاع الطريق المعتدين على الدماء والأموال والأعراض والنفوس، فيشعر نحوهم بالعطف وكأنه قاتل أو لصٌ أو زانٍ، ثم إذا جرفت الجرافات جثث ضحايا المتظاهرين المخالفين لقوله، وأُحرق الأحياء والمصابون، وجُرفت جثث الناس إلى المقابر الجماعية، وقنصت الناس في الشوارع وقتلت النساء واعتُدي على الأعراض في السجون، عندئذ يقولون أنها وجبة من الدماء لا بد منها لاستقامة طريقتهم! أو يقولون أن الضحايا قتلوا أنفسهم! أو أنه لا ينبغي الوقوف أمام هذه المجازر وينبغي للحياة أن تتجاوزهم! وفي هذا يلتقي مع أخيه الشيوعي القومي الذي قام بنفس الدور قبل عقود! ﴿أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون﴾.

يصرخ الليبرالي الإرهابي إذا ذُكرت الهوية الإسلامية، حتى أنكر بعض أذنابهم أن يكون هناك «ما يسمى بالأمة الإسلامية»! ويجعلون الانتماء الإسلامي خيانة للوطن! نعم هكذا يقولون.

ثم إذا اختار «أهل الوطن» المنهج الإسلامي أو من يمثله، أو اختاروا هوية الإسلام؛ صرخ فارّا إلى الغرب يستعديه على «بلاده» ويطلب من مخابرات العالم أجمع أن تعينه في تدبير التظاهرات والانقلابات لوأد الطريق على اختيار «وطنه» المزعوم وبلاده المذبوحة على يده!

وعندما تخيِّر الإرهابي الليبرالي أو المتطرف العلماني بين الإسلام مع استقرار البلاد وتقدمها ونموها وخروجها من التخلف ورفضها للتبعية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمحاولة الجادة والعلمية لسد الفجوة التكنولوجية مع الغرب، وبين دمار بلاده وذبح إرادة أهلها ووأد أحلام شبابها والعودة إلى الفساد لكن مع العلمانية الفجة والاستبداد الفاجر؛ اختار الثانية بلا تردد وطالب الناس بالصبر أجيالا، لأنه الأمر المعتاد منذ قرن من الزمان، فما هو الجديد؟ لقد صبروا عقودًا وعليهم أن يكملوا مسيرة الصبر مع مزيد من التبعية! هذا مع تساقط البيئة العربية الإقليمية تِباعًا وزيادة ضعفها لبُعدها عن الهوية الإسلامية الجامعة، ولرفضها حرية شعوبها.

يرى الإرهابي الليبرالي في الاستعمار الذي خرّب بلاده ونهب ثرواته وأسقطه في التبعية وأذل أجداده، وانتهك عرض أجيال، يراه تنويرًا ويدافع عنه، ولا يرى مذابحه من الهند الإسلامية إلى الخليج إلى الشام ومصر إلى ليبيا والجزائر والمغرب، إلى تجاربه النووية على البشر وإذلاله للأمم، بينما يرى في الإسلام وتاريخه ما يُريه له عدوه ويخطه بيمينه ويرسمه بريشته، حتى إذا اعترف منصف غربي هناك ارتبك التابع هنا!

لا يستطيع المتطرف العلماني والإرهابي الليبرالي، ممارسة الإعلام إلا لو قبضوا له على جميع المنافسين وأغلقوا له القنوات وأمّموا له الصحف وسجنوا له المناوئ وأخرسوا المخالف له وأرهبوا الجميع، كي يتقدم بليبراليته النكدة ليتكلم عن «الحرية»، نعم لقد قرأتها بالضبط (الحرية).

يشترك الكثير منهم في كراهة مظاهر العفاف وانتشار الحجاب، ويُلحّون ويتحيلون للهجوم عليه ورفْض وجوده، ويتتبعونه، لمنعه من المدارس وطرح مشاريع للتضييق عليه في المؤسسات التعليمية في المدارس والجامعات، ثم يحاولون بغيًا أن يمنعوه من الشوارع والطرقات، لو استطاعوا.

الرغبة عندهم جامحة في رؤية التعري وانتشار مظاهر التحلل والتحرر من قيود الأحكام الشرعية والتي يسمونها (عادات اجتماعية)؛ يمكن تركها، بل يبنغي ذلك! مع الإلحاح في الهروب من تسميتها أحكامًا شرعية، ومع إلحاح في ربطها بالتخلف، فهذا مدخلهم وتلك حجتهم، مع علمهم أنهم كاذبون.

يشترك جميع الإرهابيين الليبراليين والمتطرفين العلمانيين في تقديم مشاريع نهضة مرقّعة نابعة من بيئات أخرى ومخاصِمة للتاريخ والهوية، و(باستعلاء) يقدمون مشاريعهم؛ يشترطون رفض التاريخ وعداء العقيدة والتنكر لما هو ثابت في فطرة الأمة وجيناتها الوراثية، وبقيت مشاريعهم فاشلة لم تتجاوب معها الأمة ولا نجحت في انتشال الأوضاع المأساوية، بل مزيد من الغرق.

ومن صفاتهم التراوح بين إبداء احترام الدين بشرط عدم وجوده في الواقع بل عزلته في الضمائر وحبسه في المساجد! وهذا الاحترام البادي إنما يبدونه في حال وجود جماهير يدبّ فيها بعض الوعي أو تُبدي بعض الغيرة على الدين، فيخشى هؤلاء من موقف الجماهير.

أما في لحظات ضعف الجماهير وقهرها وتغييبها يصرحون بالطعن في الذات الإلهية حينًا، أو في رسول الله حينًا، أو في القرآن العظيم، أو الغيبيات من الجنة والنار وأحوال القيامة وأحوال البرزخ، وللدلالة على ذلك الهجوم على البخاري الراوي لأحاديث رسول الله بسند صحيح، فصبوا عليه السباب والشتائم، والإمام ما هو إلا راوٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت حقيقة شتائمهم وطعنهم الأثيم آيلة إلى أكرم الخلق وأشرفهم صلى الله عليه وسلم.

الهدف  الغائي للإرهابيين الليبراليين والمتطرفين العلمانيين هو الانسلاخ من الدين والعودة بالإسلام إلى مكة والمدينة، ورجوع مصر إلى ما قبل الإسلام، فتصبح فرعونية، وكذا الشام فيصبح فينيقية والمغرب والعراق إلى بربري وبابلي وهكذا، وكأنه يمكن شطب الأديان والعقائد وهويات الشعوب بجرة قلم أو حلم زنديق.

الرموز الدينية لغير المسلمين ـ عندهم ـ محل استبشار وترحيب وإعلان عن الحقوق الدينية وعن أهمية الروحانيات واحترام المعتقدات، في مقابل الاشمئزاز والسخرية من الرموز الإسلامية المقابلة، في تناقض لا ينم إلا عن احتقار الذات بعد الانسلاخ منها، (نادى بعضهم أن يتولى بعض بابوات الكنيسة حكم البلاد بسبب روحانيته الشفافة وقدراته القيادية… إلخ، برغم أن هذه هي الدولة الثيوقراطية التي يرفضها الإسلام ويرفضونها).

يلتاع المتطرف العلماني والإرهابي الليبرالي إذا ذُكرت أحكام شرعية ورموز إسلامية «كمالك» و«الشافعي» و«أحمد» و«أبو يوسف» و«الماودري» وغيرهم، لكنه هو نفس الشخص الذي يستبشر إذا ذُكر «روسو» و«مونتيسكو» وغيرهم.

مع رفضهم لتدخل الشريعة في الحياة العامة، كما قال بعضهم (إيه دخل الله بالسياسة)!، والسعي الحثيث لتقزيم دور المؤسسات الشرعية وتكبيلها بالقوانين، في الوقت نفسه يتعاملون مع غير المسلمين من خلال مؤسساتهم الدينية واصطفافهم الطائفي، بلا أدنى حرج، بل على أن هذا حق طبيعي!

لا تبدو المشكلة في صيغة تقدُّمٍ يريدونها؛ بل نفور من منهج معين وتناقض مع الذات وتنكر للتاريخ وإنكار للموروث بما يمثله من أمانة لا تُناقض «التحديث» ـ الواجب ـ لو أرادوه، والحرية لو صدقوا في طلبها بعدل واتزان.

في النهاية مُررت جرائم كبرى، وحُرمت شعوب من الحرية، واستعر الفساد من جديد، ووُئدت أحلام وتطلعات لحياة كريمة، وشُوه الدين والقيم والأخلاق والتاريخ في نفوس أجيال ستأخذ دورتها من التيه، تقضم منهم المهلكة ما تقضم، حتى يعودوا ويفيؤوا.

وُئدت ثورات وكُسرت موجات للشعوب من أجل أن يعيش الليبرالي حلمًا في مخيلته، وهو يتلقى الأموال ويحتمي بالجيوش ويقتل الأشراف ويردد رطانة أسياده وتتلقف كلماتِه كاميراتٌ يُدفع ثمنها من قوت الشعوب، ثم تعود على الشعوب تضليلا وقتلا ودورات من الغياب بعد كل ومضة أمل، لكن الجميع في انتظار كلمة الشعوب، وقبل ذلك وبعده كلمة الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد