هي تلك الأرض الأكبر مساحة مقارنة بعدد سكانها، هي النفط والصحراء والساحل والبحر والجبل، هي التي لا يتجاوز عدد سكانها 7 ملايين نسمة، باتوا اليوم يعيشون أسوأ الأيام التي خبأها لهم التاريخ.

على أعقاب نظام العقيد الراحل معمر القذافي استلم من يسمون أنفسهم صناع الثورة «إن صحت تسميتهم» الدفة من رجالات القذافي إلى أيديهم مستعملين ذات الأدوات والسياسات ليكون فرض الواقع مستندًا على القوة التي ترتبط عادة بتكميم الأفواه والقمع وارتكاب الانتهاكات المخالفة للقوانين الدولية تحت مظلة التخوين ورمي التهم في غياب شبه تام للقضاء الذي لا يملك مشروعية حسم المواقف.

فعقب انقسام سياسي وصراع بين أقطاب القوى بلغ أوجه في 2014 تلاه انهيار اقتصادي لامس حياة الليبيين بات الوضع سيئًا، ليس كما رُسم في بداية فبراير، وتحول المستقبل الوردي إلى مأساة كان الليبيون شاهدون على مرارتها.

لا أخفي سرًا أن مآلات الأزمة الليبية قد بلغت حد الانسداد فلا مجال للعودة ولا للسير قدمًا ما لم يصل متصدرو المشهد «ساسة كانوا أم عسكرا» إلى تسوية سياسية تضمن لهم نصيبًا في المرحلة المقبلة، التي يرجح أن ترتبط بانتخابات رئاسية يعلن عنها رسميًا مطلع 2018 عقب فشل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية ديسمبر 2015 في توحيد السلطة.

يأتي ذلك في وقت عجز فيه الليبيون في الحصول على احتياجاتهم اليومية نتيجة الانهيار الاقتصادي وفشل إدارة البنك المركزي وعلى رأسها المحافظ الصديق الكبير في وضع حلول لأزمة المواطن، والذي خرج مرارًا وتكرارًا يعلق فشله على الوضع الأمني والسياسي متناسيًا أن الوضع الحالي هو ما جعل منه يقفز على القانون، ويمدد لنفسه بطريقة غير مباشرة من خلال ضغوطات على أجسام انبثقت عن الاتفاق السياسي وأخرى منقسمة.

يفترش الليبيون الطرق أمام البنوك والمصارف في شكل مهين للحصول على 500 دينار ليبي وهي قيمة لا تكفي لأسرة مكونة من 4 أفراد لتوفير مأكلهم واحتياجاتهم اليومية لشهر فقط فضلًا عن المعاملة غير الأخلاقية التي تمارسها المليشيات التي تؤمن المصارف والتي عادة ما ترتبط تشكيلاتها بمسميات وزارتي الداخلية والدفاع إلا أنها ارتبطت اسمًا دون معنى.

هذا وتحصل المليشيات المسلحة على الأموال عن طريق الابتزاز تحت بند التأمين والحماية إذ يسمي أحد التشكيلات المسلحة نفسه بـسرية حماية مصرف ليبيا المركزي،وهو تشكيل تتواجد عناصره في جل المصارف وسط العاصمة الليبية طرابلس.

ووفقًا لشهادة أحد موظفي المصرف فإن المسلحين لا يواجهون أي مشكلة في الحصول على السيولة النقدية إذ يأتي أقلهم بأربعة صكوك سحب كل يوم تتواجد به السيولة النقدية، فيما يعاني كبار السن والنساء أمام المصارف الازدحام الشديد الذي قد يبلغ مئات المصطافين في طوابير طويلة يفترشون الأرض منذ يوم على الأقل قبل بدء توزيع السيولة.

ومع كل هذا عجز الليبيون عن الصراخ بطلب حقهم نتيجة سياسة القوة التي تستعمل في هذا الصدد، وهنا أتساءل لماذا لا يكرر الليبيون مشهد 2011 ويخرجون في احتجاجات على فشل السلطات المنقسمة أصلًا، إلا أنني سرعان ما أصل إلى أنه لا يوجد نظام للخروج عليه ببساطة لأن المؤسسات شكلية وأغلبها عاجز عن تقديم الخدمات بدءًا من قطاع الطاقة والاقتصاد… إلخ.

وما يزيد الأمر سوءًا هو العجز في نقل صورة المعاناة الإنسانية التي يعيشها الليبيون بسبب مخلفات الخوف التي تنتاب أولئك المساهمين في هذا الوضع، خاصة وأن المواطن عجز عن إحداث تغيير أو حتى المطالبة بالإصلاح وإقالة من فشل في إدارة المهام الموكلة له.

وأخيرًا يبقى الواقع سيئًا والصورة لا تعبر عنها الكلمات، ليكون ربيع فبراير خريفًا رمى بالمواطن على ضفاف الحاجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد