هل تذكر يوم أراد صديقك أن يخبرك بنبأ ما وشرع في التمهيد لك بمقدمة طويلة إلى أن صرخت في وجهه قائلًا «هات من الآخر»، ليقذف النبأ بوجهك ثم يعود بك إلى التفاصيل التي تفسر كيف حدث هذا؟ تتوافق هذه الطريقة دائمًا مع أسلوب الصحافة الخبرية فيخبرك الموضوع مثلًا بحكم المحكمة في قضية ما ثم يعود بك لأصل الحكاية وملابساتها مع الوضع في الاعتبار أنك على الأغلب لن تكمل الخبر لنهايته، ويبدو أننا نتبع هذه القاعدة ليس فقط في القص والإخبار وإنما في أمور كثيرة تشكل حياتنا اليومية.

كامرأة رأيتها يومًا تدعو إلى الحجاب فتياتٍ لا يتعدى عمرهن اثني عشر عامًا، وتود أن تيسر وتدرج لهن الأمر قائلة إنه «لا بأس أن ترتدي غطاء الرأس مع ملابسك الحالية حتى وإن كانت قصيرة إلى أن تستطيعي شراء ملابس جديدة»، هذه المعلمة – رغم حسن نيتها – لا ترى غضاضة في أن نشاهد فتاة ترتدي فستانًا طفوليًا يكشف عن ساقيها وذراعيها بينما تضع حجابًا يغطي شعرها، في مهزلة بصرية تحمل تدرجًا مقلوبًا، وهكذا نكون «جبنا من الآخر» بتغطية الشعر بدلًا من البدء بتغيير نمط الملابس التي تغطي الجسد أولًا.

وكمعلم رياضيات يصحح امتحانًا ولا يبحث إلا عن الناتج النهائي للمسألة دون أن ينظر للخطوات التي أعدها الطالب، فينجح طالب لملم الناتج النهائي من همهمات زملائه من حوله رغم أنه لا يُفهم شيء من الخطوات التي اتبعها إلا ما نفهمه من أغنية (كماننا)، ويرسب آخر مشى الطريق كله بنجاح وتلعثم في حساب الناتج النهائي.

وكفتاة وافقت وأهلها على الزواج سريعًا من شخص لا تعرفه جيدًا، لأنه يمتلك عش الزوجية الذي يعجز العديد من الشباب حاليًا على الحصول عليه، وبذلك فهي تسير على قاعدة الـ«هات من الآخر» بقلب معايير الزواج التي لابد فيها أن تعرف أولًا وقبل كل شيء مع من ستعيش؟

وكرجل يحسده الآخرون على ما يمتلكه من أموال، فينظرون شزرًا لسيارته الفارهة، ويلوون شفاههم اعتراضًا على بيته الأنيق ولا يحفظون في ذهنهم إلا الصورة الأخيرة دون الوضع في الاعتبار ما عاناه هذا الرجل في تحقيق الأحلام، لم يروا المعاناة ولم يفكروا للحظات فيها، جازمين أن كل ما حققه ضربة حظ لم تصبهم بعد.

وكقارئ ملول اشترى رواية فالتقط صورة لنفسه وهو ممسك بها ليشاركها مع أصدقائه على مواقع التواصل الاجتماعي وما لبث أن قرأ بعضًا منها فتملكه الضجر فأتى بالصفحة الأخيرة ليعرف ما نهاية الأحداث ففقد متعة الرحلة ومتعة انتظار الأحداث وتذوقها والحياة مع شخصياتها، فلم ينفعل معهم ولم يتأثر بهم ولم يبك عليهم ولم يضحك بسببهم ولم يسافر – مجانًا – إلى عالمهم.

تفاصيل كثيرة وأمثلة لا نهاية لها، ندور حولها طوال الوقت ثم نتساءل لماذا نفشل بعد ذلك؟ ولماذا تفسد حياتنا؟ حياتنا التي أحطناها بعدم الصبر واستعجال النتائج وإرضاء الآخرين والفهلوة وأحطناها بـ(كيف تتعلم الإنجليزية في 30 يومًا)، و(كيف تصبح غنيًا في خمس ثوان)، و(كيف تحصل على جسد رشيق في أسبوع) و(كيف تقود العالم في 6 ساعات).

أرهقنا أنفسنا بأسلوب المراجعات النهائية التي تستطيع أن تنقذ من عزف العام كله عن الدراسة ولكنها لن تستطيع أن تعيد له العام من أوله كي يقرأ ويفهم ويتذوق فيتأثر فيتعلم. ربما كل هذا بسبب شعورنا الدائم بأن كل ما نفعله غير ذي جدوى، فنؤجل هذا لأنه ليس مهمًا ونؤجل ذاك لأننا مللنا منه ونلغي أحلامًا لأننا نرى على الأغلب أنها تحتاج إلى وساطة أو لأننا نراها غير جديرة أن يظمأ الساري لها فلا يتبقى أمامنا إلا البحث عن حلول «تجيب من الآخر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك