هل تشتريني؟ هل تشتري الوهم؟ إنهم يبيعون لك الوهم وأنت تشتريه عن رضا ومادمت تتقبل الفكرة فأنت تشتري وطالما تصمت فأنت تشتري.

وقف رجل التنمية البشرية والابتسامة الحمقاء المصطنعة على وجهه ويقول: صباح الأمل وصباح التفائل عليكم يا شباب وأخذ يتحدث عن اليوم الجميل والشمس المشرقة التي طلعت عليه وهو ما يزال حيا ويستطيع أن يفعل المستحيل ويكسر كل الحواجز، أما أنا ابتسمت وخلعت حذائي الضيق وأزحت رابطة عنقي التي تشبه حياتي الخانقة ووقفت أمام الحضور المكون من خمسمائة موظف المجبرين على الحضور لأنه شرط أساسي كي يستمر في عمله الممل الذي يتقاضى راتبه منه بالقطارة، إذًا نحن أمام خمسمائة سجين يستمعون إلى مدعِ، خمسائة منصاع يصغون إلى رجل يدعي التفاؤل والأمل، خلعت بذتي السوداء التي اشتريتها قديما كي أحضر مقابلة العمل وكنت على ثقة أنني سوف أجتاز كل الحدود وأكون موظف علاقات عامة يفعل المستحيل ويعجنه مع الاجتهاد ليخبز المستقبل المشرق. (كان وهما).

اتفضل في مكانك، هي الجملة التي وجهت لي وأنا أخلع بذتي لأعلن أن “أبو حنيفة يمد رجليه”. مادمت حيًا فأنت تستطيع أن تمتلك العالم وتبني سلم المجد كي تصعد عليه، هكذا أكمل المحاضر كلامه المحفز وكأنه يكلم موظفين في أعرق شركات الشيكولاتة في سويسرا ولا أعلم هل هو مقتنع بما يقول أم لا؟ هل هو يكلم موظفين مصريين لا يتقاضون راتبهم إلا بعد عناء وجهد كبير ولا يتقاضونه كاملاً ويأخذونه على أقساط كأنهم يشحذون كسرة خبز من مخبز مُفلس؟

أعتقد أنه يعلم ذلك جيدا، وقد يكون مثلنا أيضا لا يتقاضى راتبه الخاص بمحاضرة اليوم إلا بعد المحاضرة القادمة ولكن حكم الوظيفة يحتم عليه أن يحيي الموتى وهو أول من يحتضر، أنظر في عينيه وطريقة شرحة للواقع الخيالي الذي يعمل على ترسيخه، وها هو مثل الكوب يأتي كأنه الإنسولين لمرضى السكر ليقول :انظر إلى نصف الكوب المملوء. أنا لم أتمالك نفسي وخرجت عن قواعد المحاضرة التي تنص على عدم المقاطعة والأسئلة في أخر المحاضرة.. آآآه آآآه إنه صوت تأوه يصدر من فمي الذي لم يفطر كي استطيع أن ألحق المحاضرة.. آآآه آآآه.

يلتفت كل الحاضرين إلي ويصمت المحاضر عن مثال الكوب ليعرف من يتألم ولم يتألم بهذا الشكل بين الناس ولم لم يستأذن ويخرج فنظر إلي كما فعل كل الحاضرين، ماذا بك “مالك يابني” سألني وهو يعرف أنني ثائر فأنا من يتحرك طيلة الشرح وأنا من يقوم ويجلس، يخلع ويفك رابطة العنق، يعرف أن الثورة على شرحه أتت باكرا.

تقمصت شخصية هاملت في آخر المسرحية الحزينة فقمت من مكاني ووقفت في الطرقة بين المدرجات وقلت: لقد دخل شيء في قدمي نعم هنالك شيء حاد في قدمي وأخذت الخمسمائة بدلة في الضحك والهمس بأنه فتى مشاكس ولا يريد المحاضرة أن تمر مرور النائمين.

أكملت أعتقد أن شيئا زجاجيا دخل في قدمي ولا أستطيع أن أخرجه وفي الغالب إنها قطع صغيرة من كوبك الفارغ. ذاك الكوب النصف مملوء، أيها السيد إن كوبك كُسر منذ عشرة محاضرات وها هي بواقي الحطام تدخل في أقدام الحاضرين، فما منه إلا أن ابتسم وحضر نفسه للرد المُفحم الذي يقر فيه أن الكوب سليم وفيه بعض العصير، ولكن استرسل هملت في الخطبة المبحوحة والوصايا المعروفة للجميع، فخرجت وأنا لا أرتدي حذائي ولكن أرتدي جوربا أبيض وبنطالا أسود وقميصا كان أبيض في يوم من الأيام وربطة عنق متدليه في إهمال أو يأس سمه ما شئت وفي الأغلب هو زي المصارحة بالحقيقة والواقع الزجاجي المهشم، خرجت لأقف بجوار المحاضر الأربعيني الباسم في رضا مصطنع لدرجة تشابه تمثيل الكومبارسات.

أوجه الكلام للحضور وأقول: هل تشتريني؟ هل تشتري الوهم؟ وبالطبع لم يجاوب أحد ولم أسمع سوى همهمة من هنا وهناك. يا سادة هذا الرجل يبيع الوهم وأنتم تشترونه بسماعكم له وبصمتكم.

أعرف إنه عملك، ولكن لا تكذب ولا تبتسم في وجهي وأنا أوفر ثمن معجون أسناني لأطعم به معدتي، لا توهمني بكوب عصير وأنا أشرب مياهًا ملوثة، ولا تقل لي أنت تستطيع، وهناك من يقول أنا لا أستطيع أن أعطيك ولكنه يؤكد أنه يريد أن يعطيك، ولا تقل: طالما أنت حي فهناك أمل بل قل طالما أنت حي فعليك أن تصبر، تصبر على الحياة، تصبر على فترة رباعية جديدة ”فصبر جميل والله المستعان“.

انتابتني العَبرة وغاب صوتي فبادروني بالتصفيق، رجعت إلى مكاني وأخذت حلمي القديم مع بذتي السوداء، وارتديت حذائي ونسيت وظيفتي وتذكرت أنني إنسان وألقيت عليهم السلام وأنا متجه إلى الباب. حاول المحاضر أن يوقفني وأن يعقد حوارًا بناءً يثبت فيه حقيقة أن الأمل ما زال حيًا وأن الحياة جيدة، فقلت والجميع يسمعني: أنت مؤمن بوجود الكوب وأنا ملحد بوجوده، أنا ملحد بكل شيء، سوف أتركك لتبيع الوهم وتبيعني.

ملحوظة: استمرت المحاضرة من بعدي وأخذت الخمسمائة بدلة شهادة التنمية البشرية بدرجة ممتاز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد