«هذا ليس مقالًا تفصيليًا ولا جدليًا، بل هو تتبع للنور في قلوب المتصوفة، الحديث يطول. هذا قبس من ذاك النور».

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: علمتُ أن الصوفية هم السابقون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرها وباطنها مقتبسة من نور مشكاة النبوة.

التصوف: عصمة القلب من مخالفة الله واستقامة الأحوال مع الحق.

طريق الأنبياء وسلوك الأولياء الصالحين العارفين بالله، طريق الصفاء والنقاء، طريق التفكر والتأمل، سلوك الأصفياء والصادقين والمخلصين.

الزهدُ قديمًا وتزكية النفس، و(التصوف) وإن تعددت المصطلحات الدالة عليه لكنه نور من حقيقة الهداية.

في الحديث الذي اتفق عليه الشيخان (البخاري ومسلم) عن عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- قالت: «أول ما بُدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى شيئًا إلا جاء مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراءيتحنّث فيه –أي يتعبَّد فيه- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك».

قال (النووي) في شرحه على صحيح مسلم: الخلاء: هو الخَلوَة وهي شأن الصالحين وعباد الله العارفين.

الخلاء أو الخلوة عند الصوفية: هي العُزلة عن البشر والتفرغ لذكر الله والتفكر في ملكوته والتأمل في خلقه، وعلى هذا يكون مبدأ التخلية عندالسادة الصوفية ويعني: تخلية القلب من غير الله وتحليته بذكر الله.

العبادة وليدة المحبة

قال الشيخ أبو بكر الواسطي رحمه الله: من عرف الله أحبه ومن أحبه أطاعه ومن أطاعه قطع عن قلبه كل ما دونه.

حُكي أن مالك بن دينار وثابت البناني رحمهما الله، دخلا على رابعة العدوية (البصرية)، فقالت لمالك: أخبرني لم تعبد ربك؟ قال: شوقًا إلى الجنان، فقالت لثابت: وأنت يا غلام؟ فقال: خوفًا من النار، فقالت: أنت يا مالك مثل أجير السوء لا يعمل إلا طمعًا، وأنت يا ثابت مثل عبد السوء تعمل خوفًا من الضرب، فقالا: وأنتِ يا رابعة فقالت: حبًا لله تعالى وشوقًا إليه.

وأقول هنا: حبًا لله أو رغبة في جنته أو خوفًا من عقابه، لا تعارض عندنا، وقد تجتمع كلها في القلب الواحد. لكن هكذا كانت أحوالهم.

وإنما يُعرف المرءُ بما يعتقد، والناظر في أقوال الصوفية و آدابهم أقرب لفهمهم من غيره، وإننا نلتمس في آداب المتصوفة قربها للروح وسلامة المنطق، من هنا نقول: الصوفية هي تزكية النفس وسلامة القلب ومعراجه إلى ربه، منهج معرفة وسلوك.

ولكون التصوف من حقيقة الهداية المحمدية نجدها عند أهل الحديث وفي عقيدة أهل الكلام وعند أهل الفلسفة أيضًا. وكان يقال: (الفقيه الصوفي) و(المحدث الصوفي).

وقد انتقد أهل الفقه والحديث على بعض المتصوفة جهلهم بالعلوم الشرعية وعدم دراستها. وهذا ما كان الإمام الغزالي رحمه الله ورضي عنه ساعيًا له في العملية الإصلاحية للتصوف إذا كان يرى بضرورة تنقيت التصوف من الدخيل والفاسد وتحديد معالمه وضبطها وصهر التصوف في العلوم الشرعية.

كما سعى لذلك الإمام المحدث الحافظ الذهبي رحمه الله في قوله: العالم إذا عَرِي من التصوف والتألُّه فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عَرِي من علم السُّنة زلَّ عن سواء السبيل.

أقول بعد هذا: اختزال التصوف بسلوكيات وأمور (معلومة) لسنا بحاجة لذكرها هنا اختزال أعمى عن جوهر الطريق. بعض السالكين كان لهم دور في النظرة السطحية عن التصوف تمامًا كأي فكرة أو طريق.

وخلاصة القول: تصوف الظاهر دون الباطن ليس تصوف، وتصوف الانتماء الاسمي دون المعرفي ليس تصوفًا، وتصوف الشعارات وبعض الطقوس ليس بتصوف أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد