إن اختراق الفضاء الافتراضي للتجربة الإنسانية، جعل من العسير تمامًا الحديث عن أنطولوجيا الكائن البشري بالتوقف عند حدود عالم التحقق، إذ أصبح هذا الكائن يستعيض بما هو افتراضي للتخلص من كل أشكال الممارسة الواقعية، حيث يتضاءل الواقع ويغرق في اللامعنى، فيما ينمو الحيز الافتراضي ويتمدد ويتعاظم، معلنًا عن انزياح لا يمس نمط عيش النوع البشري، وإنما يعين تحولا جوهريا يتفجر داخل سؤال الكينونة، مثلما يسم مظهرا آخر من مظاهر الصراع الذي كان طرفاه الطبيعة وما وراءها، منذ بداية تكون الوعي الإنساني.

ثم استطاع الصخب التكنولوجي أن ينتج صراع الواقعي واللاواقعي بين الفضاء الافتراضي والعالم الخارجي. إن الأنا -في ظل هذا التحول- لم تعد تكتسب قيمتها إلا انطلاقًا من صورتها، التي لا تمثلها بالضرورة وإنما تمثل ما تريد أن تكونه، إنها الصورة التي تروم إشباع الرغبة وبلوغ اللذة عبر نقرة (اللايك)، والتفوق على صورة الغير التي تتقهقر كلما ازداد عدد (لايكات) الأنا. إن هذه (اللايك) هي ما يحسم النزال داخل معركة إرادة القوة، حيث تتصارع صورة الأنا مع صورة الغير لأجل بقاء افتراضي، مليء بزخم من النسخ المتشابهة.

فلكي أوجد لا بد أن أكون تحت الأنظار، ولكي أثبت هذا الوجود لا سبيل لي إلا أن أزيد رصيدي من (اللايكات) عبورًا لحالة العدم التي تعني غياب صورة الأنا، ومحاولة البحث عن الكينونة عبر حضور النسخة خارج تخوم الأصل، ولو أنه حضور مشوب تحكمه ‘الهنا’ و’الآن’، وتزدحم داخله الصور جنبًا إلى جنب وهي تلج العالم الافتراضي الذي لا ينوب عن العالم الواقعي فحسب، وإنما يتلبس صفات من الوجود نفسه ويودعها فضاء من الوهم والزيف والهشاشة.

إنه العالم الذي ندخله حد الانغماس، ليس طمعًا في التواصل وإنما رضوخًا لغواية نرجسيتنا، حيث تضمحل كل قيم الجماعة ونتصادم فرادى لأجل الأنا لا لأجل النحن. إننا والحال هذه أسيروا صورنا وأسيروا رغبتنا في بلوغ أقصى درجات الاكتمال، حيث نعرض نسخنا على الذات الرائية ونروم إغراء العين للحصول على الجزاء الأكبر، أي (اللايك) التي تغطي على النقص في الأنا وتدفعها نحو تحقق مفارق ينمو داخل اللاتحقق.

لقد اجتاح الإنسان/الصورة التجربة البشرية ضدًا على الإنسان/اللغة، وبدأت أشكال الممارسة الإنسانية تنحو منحى يتمازج شيئًا فشيئا مع الفضاء الافتراضي، حيث لم تعد تجربة الوجود خارج حيز الافتراض إلا ضربًا من ضروب السديمية. لم تعد الصورة بهذا المعنى وسيلة نتوسل بها لنحد من تدفق الزمن، بل هي ما يشكل الغاية التي قد تتمرد أمامها الأنا على غريزة البقاء لأجل الرغبة في المتعة عبر الانتشاء باللايكات. إن مجمل الانفعالات والأحاسيس التي تسم العلاقة البين-إنسانية لم يعد بالإمكان أن نتداولها إلا داخل إبدال اللامباشر وفي غنى عن ‘إكراهات’ الحسي المباشر. ولما كانت العلامة اللغوية إلى وقت قريب تمثل وسيطا في سيرورة الإدراك، فإن الصورة هي معبر الأنا نحو الوجود، وجود يأبى أن يتحقق إلا بالقطيعة مع ما يقع خارجه.

لقد تحول العالم الواقعي إلى فضاء مليء بالبطء والرتابة يحول دون اتصال الذات بموضوعها (اللايك)، ولا تغري معطياته الحسية الأنا وهي تنفد إلى العوالم الافتراضية محملة بسيل من الاستيهامات التي تتوق إلى النسخة وسرعان ما تنطفئ بمجرد العودة إلى الفضاء العمومي، فالذات لا تبحث بهذا المعنى عن أشياء محايثة وإنما ترغب في مزيد من الابتذال ومزيد من اللايكات والصور التي تدفع مجمل المعطيات خارج حقيقتها، وتدعو الذات إلى استهلاك ما هو نفعي فيها وسط حيز زمني عابر غير قابل للامتداد، يحمل موضوعات مفرغة لا تنتج إلا الزوال، وهي تروم إثبات نفعها عبر انتشاء سريع، يحفز الأنا باستمرار على ممارسة الصورة أمام إصرار الرغبة بحثًا عن الإشباع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد