تعددت تعريفات الحرية على مر العصور منذ الإغريق ومرورًا بعهد نبينا الكريم صلوات الله عليه وسلم وحتى عصور التنوير والديمقراطية، وظهرت عدة مدارس جدلية بهذا الخصوص. دون السرد التاريخي مطولًا لمفهوم ومبادئ وفلسفة الحرية على مر العصور، سأتطرق لبعض التعاريف الحديثة لمفهوم الحرية وأناقشها من منظور خاص مع تقديم أمثلة عملية لذلك. أحد تعريفات الحرية يشير إلى أنها إمكانية الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة، ومفهوم الحرية يعين بشكل عام شرط الحكم الذاتي في معالجة موضوع ما. ويتساءل سائل ما هو معيار الحكم الذاتي؟ وهل يختلف من شخص لآخر وبالتالي تتعارض الحريات؟ وبالتالي لا بد من معيار موحد للحكم الذاتي؟ ولو لم يكن كذلك لما كان هناك حاجة إلى القانون والقضاء للفصل في النزاعات.

كما ورَد في إعلان حقوق الإنسان الصّادر عام 1789م على أنّ الحرية هي حقّ الفرد في أن يفعل ما لا يَضُرّ الآخرين. وهذا المفهوم أراه برأيي المتواضع جميلا ومعبرا ويمكن اعتماده خطًّا عريضًا للحرية، لكن ما يشوبه هو أنه يترك معيار الحكم بالضرر على الآخرين من عدمه للفرد نفسه ورؤيته للأمور بطريقته هو، وهذا معيار غير سليم بسبب اختلاف طبائع وعادات وأفكار ومعتقدات الأفراد. يرى الغرب الحرية على أنها الانطلاق بلا قيدٍ، والتحرُّر من كلّ ضابطٍ، والتخلُّص من كلّ رقابةٍ، ولو كانت تلك الرّقابة نابعةً من ذاته هو، وهذا اعتداء سافر على حقوق وواجبات الأفراد اتجاه بعضهم البعض وفي علاقتهم بالسلطة الحاكمة، فكانه يشير إلى العيش بطريقة همجية لا تعير أي اهتمام بقيمة الفرد نفسه، فحرية الفرد بهذا المفهوم هي تقليل من قيمته لأنه إذا اعتنق هذا المفهوم من الحرية في حياته بالمقابل ومن خلال تواصله مع غيره من أفراد سيواجه نفس الأسلوب من الأفراد الآخرين، وبالتالي بالتأكيد سيكون هناك تناقض ونزاع حتى في أدق تفاصيل الحرية كما في المفاهيم العامة لها.

حتى عند أرسطو الذي يرى أن الحرية مرتبطة بالديموقراطية، وأنها أحد أهم مبادئها، فهو يرى أن الحرية هي أن يعيش الفرد كما يشاء، ولا حاجة لنقد هذا الفرد فلا يوجد عاقل يقبل بها.

أيضا نحن نسمع كثيرا عبارة «تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين». تعجبني هذه العبارة جدا فهي تضع حدا للحريات في تعامل الأفراد مع بعضهم البعض وفي حياتهم عامة، ولكن أتساءل ما هو هذا الحد؟ وأين يقع في كل موقف وما هو الضابط له ومن يحدده، واجد دائما أن لا أحد يقبل ان يحدد هذا الحد، وكل فرد يتمسك بالحد الذي يراه مناسبًا له ولمصلحته ومن وجهة نظره هو واعتقاده؟

يجب أن يكون هناك ضابط ومعيار واضح ومحدد وشامل يشترك فيه جميع الأفراد. والناظر إلى التاريخ يجد أن كل الأمم تجتمع على أن العقائد الدينية هي أقوى وأكثر معيار يمكن أن يتفق عليه الناس جميعًا، فهي روح الشعوب التي لا يمكن المساس بها وهو يسمو على كل الأنظمة والتعليمات والقوانين في درجة تأثيره وعمقه في نفوس الأفراد. في الوقت الحاضر لا يمكن إقناع أي أحد بالاحتكام إلى دينه، فنحن بعيدون أشد البعد عن ذلك وفي مرحلة إنهاك وضياع، وهذا بالمناسبة ما يوجد الكثير والكثير من الأنظمة والقوانين المدنية والحاجة لها لتنظيم الحياة، ولكن نحن بحاجة لإحياء ما في نفوسنا مما تعلمناه من قيم وتعاليم أدياننا لكي نستطيع وقتها الاحتكام إلى معيار واحد يتفق عليه الجميع. فكم من مصلّ وصائم وقائم لا أرى منه غير انتهاك حقوق الناس والمعاملة السيئة ويرى حريته على حساب الآخرين، وبالجانب الآخر تجد من لو تستطيع أن تجالسه لتتعلم منه الأخلاق ومعايير الحرية الحقيقية. إذا لنحي قيم الأخلاق في نفوسنا إلى جانب شعائر العبادات لتسمو أخلاقنا ونعلم العالم معنى الحرية الحقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد