تعتبر اللغة أهم وسيلة للتواصل والاحتكاك والتقارب بين أفراد المجتمع فاللغة هي وسيلة التواصل الأولى منذ القدم، لكنها لم تكن بهذا التعقيد اللغوي الكبير الذي تعرفه الآن لغاتنا والعجيب في اللغات أن الكثير منها لم تكن مكتوبة أي ليس لها نظام كتابي أو حروف أي إنها كانت شفوية فقط وهذا لعب دور كبير في موت هذه اللغات – ليس كلها – لكن نجد اليوم أكثر من 7 آلاف لغة موزعة على مختلف الدول ويجب التنويه أن في بعض مناطق أفريقيا تتغير اللغة المستعملة للتواصل وحتى للكتابة من مدينة إلى مدينة وغالبًا ما يكون اختلاف جذري وليس مسألة لهجات مثل منطقتنا المغاربية، ومع ذكر أرضنا المغاربية فنحن نمتلك لغتين أساسيتين وهم الأمازيغية التي لم تعرف أرضًا غير هذه، والعربية التي دخلت بعد الفتح، وكلتاهما لغتان جميلتان ولا مستقبل لشعبنا بواحدة منهما فقط دون الأخرى.

لكن للأسف الدول المغاربية بعد استقلالها عملت لسد الفجوة المعرفية والثقافية بين شعبها، فحاولت الحصول على الوحدة الثقافية، وفي حالتنا هي الوحدة اللغوية، وأفضل خيار لهم كان العربية لأسباب عديدة قد نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كيف لعب الدعم لهذه الدول الحديثة دورًا كبيرًا لبداية مشوار التعريب مثل الدعم المقدم من مصر أرض القومية العربية في ذلك الوقت، ومن الدول العربية الأخرى التي دعمت استقلال شمال أفريقيا… إلخ.

لكن الدول المغاربية للأسف نسيت قاعدة مهمة وهي أنه من شبه المستحيل القضاء على لغة وهناك امرأة تتكلمها (دائمًا لعبت المرأة دورًا أساسيًا في الحفاظ على الأماريغية عبر التاريخ وفي مختلف مناطق تامازغا) أي عدد الناطقين بالأمازيغية كان يزداد بعد الاستقلالات التاريخية التي شاهدتها أرضنا المغاربية والوعي الهوياتي أيضًا كان في زيادة من المجاهدين إلى أبناء الاستقلال لهذا ظهرت حركات سلمية تدعوا لتطوير الأمازيغية وترسيمها بجانب العربية أي أنها لم تكن إقصائية، ولكن في تلك الأونة ظهر تيار معاد أو المسمى بالتيار العروبي الإقصائي، وكانت بدايته في السبعينات في الدول المغاربية، لكن خمل نشاطه بعد اندلاع أحداث الربيع الأمازيغي سنة 1980 في الجزائر، لكن هذا التيار عاد مع أطروحات يمكن القول إنها غبية نوعًا ما.

لكن ما يهمنا الآن هو مسألة اللغة الأمازيغية؛ فمتعصبو هذا التيار أمثال الدكتور عثمان سعدي (أغلبهم من النخبة التي تلقت تعليمها في المشرق) صاحب كتاب عروبة البربر، والذي حاول في جزء منه القول إن الأمازيغ عرب باستعمال منهاج المقارنة اللغوية، لكن سرعان ما فشلت هذه الأطروحة (فمثلًا لو حاولت المقارنة بين أية لغتين ستجد عدة تشابهات، وهذا لا يعني أن هذه اللغة من هذه اللغة في أغلب الأحيان، بل قاد الكثير من الباحثين لقول إن اللغات متأصلة من لغة واحدة وتفرعت، لكنها مجرد فرضية تستحق البحث فيها) فغير أصحابها طريقة السرد أمثال السيدة نعيمة صالحي بقولها إن الأمازيغية لا ترتقي لمستوى لغة باعتبارها مجرد لهجات.

لكنهم هنا قد حفروا بأيديهم فخًا سوف يقعون داخله؛ لأن العربية الفصحى كانت عبارة عن عدة لهجات قبل وضع قواعد النحو والكتابة (الكثير من مطوري العربية لم يكونوا عربًا، وهناك العديد من الأمازيغ كابن أجروم صاحب الأجرومية في النحو العربي وهو مرجع مهم لكل باحث في العربية)، فهل يمكن القول إن العربية لا تصلح لأنها في الأخير كانت لهجات؟ بالطبع كلا؛ لأن العربية لغة جميلة.

صحيح أنها كانت لهجات، لكنها خضعت لشيء مهم يجب أن تخضع له أي لغة وهو معيرة اللغة أي إخضاع اللغة لعمليات تهيئة وتنميط وتقعيد للاستجابة لحاجيات المجتمع والمؤسسات وبالمعيرة تنتقل اللغة من وضعية اللهجة أو اللهجات في النطاق الشفوي إلى مستوى اللغة أو يمكن القول إنه تحويل لهجة إلى لغة معيارية عبر عدة مراحل طويلة وبدراسة الجذور اللغوية للكلمات ومحاولة عصرنتها أي ليس خلق لغة مخبرية كالإسبرنتو مثلًا وتقريبًا كل اللغات خضعت للمعيرة من بينهم العربية والعبرية والبولندية والتركية والفرنسية والألمانية والصينية والهولندية التي كانت أربع لهجات قبل نهاية القرن التاسع عشر والإنجليزية التي كانت سبع لهجات وغيرها الكثير.

لكن الذي يميز الأمازيغية أن محاولة معيرتها لم تبدأ من مؤسسات الدول القومية كباقي الدول الأخرى إلا في هذه السنوات الأخيرة في كل من الجزائر والمغرب بواسطة المحافظة السامية للغة الأمازيغية والمعهد الملكي للغة الأمازيغية، لكن الأمازيغية مشت أشواطًا طويلة لمحاولة معايرتها منذ بداية القرن العشرين، وأهم الباحثين في هذا المجال هو الدكتور الكبير اللغوي مولود معمري الذي حتى اليوم يتم الاعتماد على أبحاثه واليوم بفضل الجهود المبدولة أصبح لنا ما يشبه لغة معيارية يثم تدريسها فذلك التساؤل القائل بأية لهجة سوف تدرس الأمازيغية قد انتهى، والآن أصبحت هناك الأمازيغية المعيارية بلهجاتها التي تزيدها غناءً، ولا تنقص من قيمتها شيئًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد