يقول رجل الدين الذي صادفه (رضا) في مستشفى السجن بعد محاولته الانتحار: الطرق التي تقود إلى الله بعدد الناس الذين خلقهم، كانت بداية الطريق التي سلكها (رضا).. عباءة رجل الدين التي نسيها على المنضدة.

في الفيلم الإيراني الذي ظهر فيه رجل الدين في إطار كوميدي، لا يخلو من لمحات فلسفية، وتلميحات سياسية، يهرب رضا مسغلي (قام بدوره الفنان برفيز باراستوي) من السجن، ولا يجد أمامه طريقة سوى التنكر بزي رجل دين، جعل الحراس ينحنون له باحترام عند فراره، في فيلم (مارمولك) أو (السحلية) الذي عرض عام 2004، للمخرج كمال تبريزي.

السجن كالحمية (الريجيم)، يساعد النفس على التخفف من شرورها، قالها السجان في بداية الفيلم وهو يحاول مساعدة رضا على تقبل وضعه الجديد، وفي نهاية الفيلم يرد رضا الموعظة في خطبة يسمعها السجان قبل أن يكشف هوية الواعظ: يخرق الناس القانون أحيانًا بسبب الحاجة أو البؤس، لا تظنوا أن الله قد نسيكم، قد تكون أبواب السجن مغلقة، إلا أن أبواب رحمة الله مفتوحة دائمًا، الله ليس للصالحين فقط، هو إله المجرمين أيضًا.

(رضا) اللص البسيط الذي عاش حياة بائسة لم يكن يستحق الحكم بالسجن المؤبد، كان لص منازل فقط، اتُّهم بجريمة سطو مسلح لم يرتكبها، وهذا ما دعاه إلى محاولة الانتحار حين عجز عن الهروب بتسلق جدار السجن كسحلية.

مارمولك، السحلية، أو الحرباء، ربما أتت التسمية بسبب شخصية رضا الذي كان يجيد تسلق الجدران، إلا أن ما سبب المشاكل للفيلم هو ما حدث بعد عرضه ونجاحه، فقد استخدم الناس هذا اللقب للسخرية من رجال الدين وإهانتهم، وربما كان هذا أحد أسباب منع الفيلم من العرض في إيران، كما يقول المخرج نادر طالب زاده[1].

أوصلت العباءة رضا إلى قرية بسيطة ليصبح شيخ الجامع فيها، يحصل على التبجيل والاحترام، وينتظر منه الجميع أن يصلح حياتهم، ويأخذ بأيديهم إلى الجنة.

طلب أهل القرية من رضا أن يعتلي منبر الجامع ليلقي عليهم المواعظ، رضا الذي لم يكن يعرف كيفية الوضوء، ولا عدد ركعات كل صلاة، حتى أنه لم يكن يؤمن بوجود الجنة، أخذ يردد في مواعظه ما سمعه من رجل الدين الذي سرق عمامته، ويستحضر كلامه واقتباساته وحكاياته، ويتذكر البرامج الدينية التي شاهدها في التلفزيون فيكرر أفكارها. أليس هذا ما يفعله بعض رجال الدين؟ الحفظ والتكرار.

بسخرية مبطنة من الفتاوى الغريبة التي تصدر عن رجال الدين، والأسئلة الأغرب التي يغرقه بها الناس، يطلق رضا الفتاوى التي يقتضيها منصبه، وحين يوافق الناس على كلامه دون اعتراض، يستخدم سلطته لتسهيل حياتهم، بإطلاق فتاوى تصبح ساخرة أحيانًا، فهو يطالب بمنح الشباب الفقراء الحرية في علاقاتهم، والتغاضي عنهم إلى أن يتمكنوا من توفير المهر، رغم أنه يخبر رجلًا يبدو ثريًا أن الزواج المؤقت حرام، ويستدرج إحدى السيدات لتحكي له أمورًا شخصية: لا تخجلي فرجل الدين كالطبيب. وحين يسأله أحد الشباب عن حكم صلاة الخوف بعد مشاهدة فيلم رعب يجيب: بعد مشاهدته ستكون قد بللت ملابسك، سيكون عليك عندها إعادة وضوئك. وستعرف حين تشاهد الفيلم حكم ملامسة رائد الفضاء لرائدة الفضاء عند انعدام الجاذبية.

في إشارة رمزية إلى الجيل القادم من رجال الدين، الذي ربما يحمل رسالة التجديد والتحرر، ويملك عقلًا ناقدًا، كان الطفل الصامت الذي يظهر فجأة ينظر بارتياب إلى رضا، يلاحقه في كل مكان، يراقبه، ويتأمل ما يحدث، وهو يرمق رضا بنظرات استنكار أحيانًا. في نهاية الفيلم لا يسلم رضا عباءته للشباب المتحمسين، الذين كان جل اهتمامهم محاولة كسب قبول المجتمع بارتداء ثوب التدين، ولا للشيخ الكبير الذي كان أكثر أهل القرية تدينًا والتزامًا، بل سلمها لهذا الطفل الذي لمح اختلافه عنهم، وهمس له: إن هدف هذه الملابس تهذيب الناس.

قرأ له رجل الدين الذي قابله في السجن من كتابه: إذا أردت أن تكون صديقي فروّضني. وكيف أروضك؟ اجعلني أحبك. فعل رضا ما لم يفعله رجال الدين، وصل إلى القلوب وكسب ثقة الناس، فاستخدمها – ربما دون قصد – في ترويضهم، ليفعلوا الخير بمحبة.

المشهد الأخير من الفيلم كان حفلًا جمع أهل القرية، تجمع فيه المساعدات للمحتاجين، من مال وطعام، كان هذا إنجاز (رضا)، رجل الدين الذي شجع الناس على مساعدة الفقراء، ودعا في خطبه المرتجلة المرتبكة إلى التعاون والتكافل في المجتمع، منع الأب من إجبار ولده على حفظ القرآن وقال له: أنت بإجباره تدفعه إلى الجحيم. علم الناس أن العلاقة بين العبد وربه علاقة محبة، سمح للمغني أن يردد أغانيه ملجمًا أفواه المتزمتين، وأنقذ امرأة من بطش زوجها، ليظهر دور الدين في حفظ كرامة المرأة لا اضطهادها وحرمانها من حقوقها.

أظهر الفيلم أن مهمة رجل الدين هي استخدام تأثيره وسلطته لتشجيع الناس على تطبيق المبادئ والقيم الإنسانية، وأن يكون هو المبادر إلى حل الخلافات، ونشر الحب، وصنع السلام، وفتح أبواب الخير، وإزالة عقبات العادات والأعراف الجامدة، باستخدام سلطة الدين الأقوى. ومساعدة الناس على اكتشاف طرقهم الخاصة إلى الله.

لم يغير رضا المجتمع الصغير الذي وجد نفسه وسطه فحسب، بل تغير هو أيضًا، بعد أن ظهر في بداية الفيلم ناقمًا على الحياة، ساخطًا على الدين، فاقدًا إيمانه، يظهر في خطبته الأخيرة يمسح دموعه وهو يقول: إن العلاقة بين العبد وربه علاقة صداقة، والصديق يمنح صديقه كل شيء.

تناولت السينما الإيرانية قضية رجال الدين المزيفين في أكثر من فيلم، ففي فيلم (رجم ثريا- 2008) للمخرج سيروس نورسته، أصبح المجرم السابق رجل دين، يمثل إحدى السلطات الثلاث التي تحكم القرية، فهو يخشى سجانه السابق الذي يعرف سره، فيغض الطرف عن مخالفاته وجرائمه تجنبًا لبطشه، ويعيد صياغة تجاوزاته وتشريعها ليمررها القانون الذي يمثله عمدة البلدة.

يقول المخرج كمال تبريزي في إحدى المقابلات الصحافية: حين تقرر المؤسسة الدينية التدخل في السياسة، وتعتبر هذا واجبًا منوطًا بها فيجب عليها حينئذٍ أن تخلع عباءة الدين[2].

تناول فيلم (السحلية) العلاقة الإنسانية بين رجل الدين والناس، وهي علاقة تسمح له بالتأثير فيهم، بوقوفه في موقع محايد، بعيدًا عن التشدد الديني والتطرف، ومحاولته إبعاد طلاب العلم الشرعي من الشباب عن التزمت والتضييق على الآخرين، وحرصه على جعل العلاقة بين الناس وربهم خاصة بهم، فكل إنسان قادر على إيجاد طريقه الخاص بتتبع الإشارات التي تظهر في حياته، ولا يكون رجل الدين حينها سوى مرشد روحي، يساعد الناس على رؤية هذه الإشارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد