أذكر أول مرة تحدثت فيها عن هذا الموضوع، كان ذلك في آخر فصل دراسي لي في الجامعة، حين تقدمت أمام الطلاب في القاعة الدراسية وألقيت الموضوع عليهم، فقال لي دكتوري عبد المجيد المبارك حينها جملة قصيرة تعقيبًا على الموضوع.

قال: «لقد ارتقيت مرتقىً صعبًا يا أنس، فقد حاول كثير من الكتّاب والمفكرين تفسير الحب وتعريفه، ولكنهم فشلوا جميعًا”. وهو محق في ذلك، فكما يقال، الحب جميل كما هو، فإن فسرته وشرحته أفسدته!

ولكني سأتهور وأخوض غمار هذا الموضوع، محاولة مني لفهم الحب، ولإيجاد علاج لمداواة كثير من القلوب المكسورة أو المتأثرة بسببه، فجميعنا نتفق على ما في الحب من ألم، ورغم ذلك نتسابق عليه ونبحث عنه في كل مكان.

ربما يثير هذا المقال بعض الجدل، أو يرفض البعض ما فيه ويعارضونه، بسبب محاولتي لعقلنة العاطفة، او لإخضاعها للمجهر ودراستها كأي عملية أخرى.

أغلبنا يرى أن الحب أمر لا نملك أن نتحكم فيه، فهو أمر قلبي عاطفي لا طاقة لنا في تغييره، بل علينا الاستسلام له دون أي مقاومة.

خلال تأملي وملاحظتي في نفسي وما حولي، وجدت أننا نستطيع التحكم بمشاعرنا تجاه الناس والأشياء، وأن بإمكاننا توجيه الحب والكره والتحكم بهما إن شئنا.

بالإمكان دائمًا أن ننظر لما حولنا من منظور مختلف جديد، وهذا ما يولد الأفكار الجديدة ويطورها وينميها.

لقد حاولت تفكيك المشاعر لأصغر وحدة ممكنة لأستطيع فهمها، لنتخيل لوحة كبيرة تحتوي على العديد من النقاط المضيئة، والتي تضيء بلونين فقط «أحمر وأخضر مثلًا»، هذه اللوحة هي الحالة العاطفية تجاه أي شيء، وهذه النقاط المضيئة هي مركبات هذا الأمر، وهي تضيء باللون الأخضر إن كانت إيجابية، وتضيء باللون الأحمر إن كانت سلبية.

لنأخذ مثلًا علاقتي بصديقي حسن. حسن شاب طويل، عشريني، عماني، شعره طويل، صوته جميل، يغتاب كثيرًا ويسب كثيرًا، لكنه صادق ووفي.

فحالتي العاطفية تجاه حسن سواء كحب أو كره أو غير ذلك تستند على هذه المواصفات ومعناها لدي.

فأنا مثلًا أحب الشعب العماني، فتكون هذه إيجابية له، وأحب الصوت الجميل، وأحب الصدق والوفاء فيه. «نقاط خضراء»

وفي المقابل، أنا لا أحب من يطيل شعره، ولا من يغتاب. «نقاط حمراء»

ولو أتينا للواقع، فأنا أحب حسن، ولكن لم أفكر يومًا في هذه الأمور الدقيقة فيه، ولم أتوقف عندها يومًا. ولكنني أحببته وكانت علاقتي به جيدة، لأن الإيجابيات الموجودة فيه في نظري غلبت سلبياته «ولو لم أدرك هذا الموضوع ولم أفكر فيه».

ولكن أخي يكرهه جدًّا ولا يتحمله أبدًا، ذلك لأن أخي لديه حساسية ونفور بالغ ممن يكثر الغيبة، فكانت هذه السلبية أكبر حجمًا لديه من كل الإيجابيات الأخرى.

هذا مثال بسيط، حاولت فيه شرح فكرتي، ويمكن تطبيق هذا الأمر على كافة الأشخاص والأشياء حولنا، فلو تأملنا كل شيء بالتفصيل، وجدنا أن ما نحب يحتوي دائمًا على الإيجابيات التي تهمنا وتجذبنا، وما نكره يحتوي على ما نراه سلبيًّا.

وسبب اختلاف أذواقنا ونظراتنا للناس هو اختلاف هذه المعايير لدى كل منا، فهذه المعايير تتشكل بناءً على مبادئنا وخبراتنا وتجاربنا السابقة، وما مررنا به، فالحسن عندي قبيح عند غيري، والمهم عندي أقل أهمية عند غيري.

وهذا أيضًا موضوع مهم، فلعل اثنين يتفقان في أن هذه الأمور قبيحة وتلك حسنة، ولكن كل واحد منهما لديه تقييم مختلف لمدى الأهمية، فإن نظرنا لشخص كريم كاذب، فقد أحبه لأنني أرى الكرم أهم من الكذب فيغطي عليه، وبالمقابل قد يراه آخر أنه سيئ لأن الكذب عنده أشد أهمية من الكرم.

وكذا الأمر يطبق بنفس الطريقة على الأكل والشرب واللبس والفنون وغيرها، فإن دققنا في أي شيء نحبه أو نكرهه، ودققنا في تفاصيله الصغيرة، لوجدنا أن سبب حالتنا العاطفية تجاه أي شيء هو تفاعلنا مع التفاصيل الدقيقة المكونة له.

ما دفعني للتفكير بهذا الموضوع، وبأنه يمكننا التحكم بعواطفنا بعقلانية هو الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، فقال له سيدنا عمر رضي الله عنه: «لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي»، فقال له: «والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك».

فقال له عمر بعدها: «فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر!».

فعمر هنا حين أخبره الرسول أنه عليه أن يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه، راجع نفسه، وراجع أفكاره ومشاعره وأعاد ترتيب الأولويات لديه، حتى عاد والله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

فإن استطاع سيدنا عمر أن يغير ذلك في نفسه، فهذا دليل على أن الشخص يمكنه التحكم في مشاعره، على عكس ما يتم تداوله بيننا أننا لا نستطيع التحكم بمشاعرنا، فيستسلم بعضنا لهذه الحتمية الوهمية فيبقى أسيرًا لهذه العواطف، وما يترتب عليها من حزن طيلة حياته.

أظن أن القارئ ما زال لديه شك فيما أقول، أو مقاومة ورفض للفكرة، وهو أمر طبيعي برأيي، فإننا قد اعتدنا على أن العواطف لا يمكن عقلنتها، وأنها أمر مستقل تمامًا عن العقل، ولكني أزعم أنهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وأن العاطفة ما هي إلا نتيجة لتلك التفاصيل الصغيرة التي يدركها عقلنا الباطن، الذي يحللها ويقسمها إلى حسن وقبيح.

إن الأمر هذا صعب، ويحتاج إلى مستوى عالٍ من العقلانية والتجرد، فربما يكون أسهل على الأشخاص العقلانيين منه على الأشخاص العاطفيين، ولكن لو استطعنا تطبيقه، فإنه ربما سيسهل علينا الكثير في حياتنا، ويعالج كثيرًا من مشاكلنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد