إن كتاب الوحشة، للأديب السعودي عبد الله ثابت، من الكتب النادرة التي تلتصق بالروح، ويصير نزعه عنها عصيًّا كنزع أحد الأطراف، فتتفاجأ وأنت تتصفح أوراقه أنه يصف دواخلك بشكل غريب يجعلك تتساءل: كيف استطاع الكاتب أن يصف تلك المشاعر المضطربة التي تحتاجني فلا تسعفني أي لغة في ترجمتها؟ كيف نجح في انتشال كل تلك الإحساسات التي أقبرتها بأقاصي الذاكرة محاولًا التخلص منها، كيف استطاع أن يلامس بقلمه أعمق نقطة في الذات الإنسانية المنهكة؟

وهو الأمر الذي مكنه من تخطي السؤال القائم على تحديد ماهية العلاقة الكامنة بين اللغة والفكر، السؤال الذي لطالما انشغل به الفكر الإنساني على مر التاريخ، فكان التركيز في البداية مقتصرًا على إمكانية الحديث عن وجود فكر خارج إطار اللغة، في حين انتهى البعض أمثال الفلاسفة الحدسيين والفنانين الرمزيين إلى الاعتقاد بقصر اللغة وعدم قدرتها على نقل الانفعالات البشرية كاملة، وهو ما كان يرمي إليه الفيلسوف الفرنسي بول فاليري بهذا الصدد، عندما قال إن:«أجمل الأفكار، تلك التي لا نستطيع التعبير عنها». غير أن عبد الله ثابت قد فند هذا الطرح، وأثبت إمكانية التعبير عن مختلف خلجات النفس البشرية، والأفكار المتضاربة في الأذهان، ونجح في ضمها داخل قوالب لغوية معبرة.

فقد كان الكاتب حريصًا على عدم الزج بهذا العمل في أي صنف أدبي معين، وارتأى تركه مفتوحًا على تصنيفات كثيرة، مردفًا العبارة الآتية على غلافه: «كائن يقف في الظلام ويقول شيئًا». وكأنه يسعى لتأسيس جنس أدبي جديد، بعيدًا عن المتعارف عليه في ساحة الأدب. ذلك أن المُبحر والمتمعن في هذا المنجز الإبداعي الفريد في شموليته، سيكتشف أنه تدفق حر وعفوي شيئًا ما، لهلوسات ومشاهد ذهنية غامضة، ومكنونات نفسية ثقيلة. إنه صوت الأنا المنهكة وعواطفها المشوشة، وصرخات ألم يائسة تنبعث من الظلام؛ فتتلاشى فيه كما وجدت أول الأمر.

(…) إنني أخادع نفسي،

فأنا لم أكتب قط، ولم أقل شعرًا ولا نثرًا

من جانب آخر نجده أيضًا يتحاشى توجيه الاستنتاجات والإشارات، التي يمكن أن يلتقطها القارئ من خلال الرموز المستخدمة في هذا العمل تجاه مسار معين، إذ يترك له حرية التأكيد أو النفي أو حتى الإبقاء على الغائمية التي تملأ فضاءات النصوص.

إن هذا الكائن الغريب الواقف في الظلام، والذي حمله الكاتب مسؤولية البوح العظمى، مسكون بلعنة السؤال ومثقل بالخطيئة الآدمية الأولى، ومنشغل بالعوالم القاتمة للنفس البشرية، فحتى الإهداء كان له نصيب وافر من هذا الحِمل، وقد جاء فيه: «إليك أيتها الأرض الشاسعة بكل البشر والكائنات لن أسامحك… أما أنت يا قبضة الطين التي خلقت منها… أنا آسف، لم أتوقع كل هذا».

كما أن الطاغي على هذا المؤلف هو حقل الألفاظ الدالة على السواد، بدءًا بالعبارة المرافقة للعنوان «كائن يقف في الظلام»، مقابل حضور طفيف للألفاظ الدالة على البياض، ويتضح من خلال هذا التمفصل الأيقوني لرمزي السواد والبياض إمكانية عدهما معًا تمثلين لمفهومي العدم والوجود، فالأسود هنا هو هروب من الضوء الذي يرتبط وجوده بالعلاقة الرابطة بين الإنسان ومحيطه، وكذا إمكانية إدراكه لتصورات واقعه، مما يعني أنه هروب من العالم المادي والمرئي الذي ينتمي له هذا الكائن الغريب، وانشغاله بالمقابل بالعوالم النفسية اللامرئية المعتملة في داخله.

كل يوم… تزدرد عيناي هذه الظلمات، ويكبر في حلقي صوت أسود كأن مصارعًا ضخم الرأس والكتفين يقفز في قلبي، ويفضح برجليه المقوستين أوهامي!

وعلى الرغم من أن الأسود هو إحالة مباشرة على الخراب والموت والكأبة، لكنه في هذا الكتاب يكتسي صبغة جديدة يطبعها الهدوء، ذلك أن الكائن الغريب المنعزل عن العالم، والغارق في السواد، مستسلم للعذابات التي تقتات من روحه وممتن لها، فهو لا يبذل أي جهد للخروج من هذا القبو المظلم، في حين يتصالح بالمقابل معه مستمتعًا بالإيغال في عوالمه الموحشة.

إنه ظرفي الملائم هذا الفجر

فأنا مطرود من الشمس والوسائد

.. وفمي موصد

وقلبي قنفذ أسود

ويقول أيضًا:

لا أعرف ما أمضي إليه. فأنا كائن غاضب منذ البدء، ونفسي شرسة من أصل خلقتي، وضميري مستعد لضرب العالم. بيتي ذلك الكوكب المعتم بمداه السحيق في داخلي، وحين أخرج من ذاتي أشعر بالموت فورًا، يندفع نحوي كصخرة عمياء! رباه.. فلتعبر الشمس البشعة بعيدًا عني… إنني مفرط في ظلمتي، وقلبي بومة بكماء، وكينونتي صيحة!

كما أنه من الواضح أن هذه الذات الغريبة لم تمقت الأبيض دونما سبب، وإنما جربت البياض يومًا ما، وانغمست فيه إلى أن اكتشفت الزيف المقرف الذي يملأ عوالم النور وسئمتها، فتبرأت منها وانتقلت هاربة إلى السواد الذي استحال ملجأ آمنًا لها وخلاصها الوحيد بالرغم من كونه عالمًا موحشًا، ومقفرًا، ومؤلمًا، بيد أنه حقيقي ومباشر إلى حد بعيد.

اللهم يا الله،

أرجوك.. خذ بذراعي النحيلة هذه،

فقد غسلتها من الناس..

خذ بها إلى يقين لا يتكلمون عنه، ولا تفوح منه رائحة الدم والخيانات

كما قال كذلك:

أمشي إلى منحدري لأترجل عن هذا العلن القميء.. لأمحو ما تركته رجلاي على الطرقات، وأعتاب المدن والمطارات؛ لأسحب لساني من بين التخوم الهمجية، ومن الصحف والألياف والبنادق! أمشي وأنبش في حجارة النبع، باحثًا عن سريري في غريزة الطين المبلول، أو في شهيق الظامئين والبهائم المسكينة.. أمشي.. وأحلم بالله!

من الملاحظ أيضًا أن هذا الكائن الغريب الذي ينزع للتيه داخل عوالمه الذاتية القاتمة، لا يغيب عنه التشكيك في كل مكونات العالم الخارجي، جاعلاً من ذلك منطلقًا للبحث في معنى وجوده بالدرجة الأولى، فالطرح الثيولوجي في هذا النص والقائم على وجود الله ككائن غيبي كلي القدرة والمعرفة، يتجاوز كل أنواع الحضور، وينفرد بالاطلاع على خبايا الأشياء والأنفس، هو نافذة بالنسبة لهذا الكائن للعبور إلى معنى كينونته ووجوده الخاص.

رباه…
لماذا خلقتني على هذه الحافة، وتركتني هكذا فوقها،
ولم تلهمني فزع التشبث،
ولا شجاعة القفز!

من الطريف أيضًا أن نلاحظ اشتغال الكاتب إلى جانب دوال لغوية أخرى مختلفة، على الدلالة التي يكتسيها العدد خمسة في الديانات الإبراهيمية. فأركان الإسلام وعدد الصلوات المفروضة فيه خمسة، وكذلك هي المبادئ المقدسة في المسيحية، وعدد جروح المسيح، فضلًا عن أن أسفار موسى في التوراة خمسة. ثم يأتي هذا الثابت ليضفي بصخبه صبغة أدبية على هذا العدد ويجيء كتابه في خمس نواح: «ناحية الليل والأمصال، ناحية الإشارات، ناحية الكحل والحريق، ناحية الخواتم والخراب، وناحية الجو»، لكل ناحية منها طعم مختلف وجغرافية خاصة، تتجزأ من هذا الكل القاتم والخصب بالمعاني لتتم وصفه بشكل أوضح، جاعلًا من هذا العمل الحداثي تحفة أدبية في عالم الإبداع، تتجدد مدلولاتها ومعانيها والإحساسات التي تتولد عند مطالعتها مع كل قراءة جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد