إن جذور العلاقات الليبية المصرية، التي تضرب في أعماق التاريخ البشري، الذي لا ينفصل عن البعد الاجتماعي، وللطبيعة الخرافية دورها، ومن العمق التاريخي والبعد الاجتماعي والوحدة الجغرافية مجتمعة.

ينشأ البعد الإستراتيجي الذي يحدد معالم العلاقات الليبية عبر التاريخ، من أيام الفراعنة التي توّجت بقيام الأسرة التاسعة والعشرين أسرة شيشنق ذي الأصول الليبية حوالي 950 ق.م، والتي سجلت تاريخها على جدران معبد الكرنك، كما تذكر كتب التاريخ، التي تناولت العلاقات الليبية الفرعونية، أو هجرة القبائل الليبية نحو الدلتا، وهذا التداخل ما بين مصر والشرق الليبي عبر العصور التاريخية، من العصر اليوناني البطلمي إلى الروماني وتوّجت بالفتح الإسلامي لمصر وأفريقيا الشمالية، وسيادة الصبغة العربية التي وحدت بين كل المكونات الموجودة في المنطقة بسيادة اللغة العربية، واعتناق الغالبية العظمى من السكان للدين الإسلامي، وتعايش من بقي محتفظًا بدينه مع الدول والإمارات الإسلامية القائمة عبر التاريخ.

وكانت مصر منطلق الفتح الإسلامي لأفريقيا وكانت برقة الجزء الشرقي من ليبيا، هي بوابة أفريقيا على رأي بعض المؤرخين المسلمين، والحقيقة التاريخية أن جيش الفتح الإسلامي توجه نحو برقة كمسمى وكيان مستقل بذاته لا يتبع مصر ومع استمرار التقلبات السياسية والتغيرات الإدارية، تغيرت أوضاع برقة من ولاية أو إمارة تابعة لمصر، إلى إمارة أو ولاية تابعة إلى أفريقيا، أو إلى جزء من الدول التي نشأت في حقبات متأخرة من الفتح الإسلامي.

وفي أحيان كثيرة كمنطقة أو إمارة أو ولاية لها حدودها الإدارية، وعليها والٍ أو أمير يتبع إدارة مركزية من جهة الشرق أو من الغرب، وهذا ما حدث إبان الحكم العثماني بتبعية برقة إلى الباب العالي مباشرة، أحيانا يتم ضمها إلى والي طرابلس ولم يكن لها تبعية إلى الشرق عبر الفترة العثمانية، وأصبحت تعد من ضمن شمال أفريقيا.

وهو ما أشار إليه فرمان من الخليفة العثماني في العقد الثاني من القرن العشرين، بعد انسحاب القوات التركية من ليبيا، عقب معاهدة لوزان بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا، بتكليف السيد أحمد الشريف السنوسي بتمثيله في منطقة شمال أفريقيا ولم تكن هناك أي مطالبات لمصر بحكم برقة، وإن تداخلت الحدود الجغرافية وتشابكت العلاقات الاجتماعية بين أبناء المناطق المتداخلة، وكانت هجرات بينية بحسب الظروف الاقتصادية والظروف السياسية.

وأحيانا للحروب الأهلية دور في الهجرة، وإن كان الغالب هو الهجرة من جهة الغرب بالنسبة لموقع مصر الذي يمثل الشرق الليبي لم يتولد الشعور برغبة مصر في ضم برقة ولا توجس سكان برقة من نفوذ مصر بل كانت العلاقة يسودها الود والتبادل التجاري والمصاهرة بين القبائل المتداخلة في تلك المنطقة، التي نعمت بهدوء وتوافق كبير بين القبائل المتجاورة المصاهرة، ومع قيام ما يعرف بالدولة الوطنية، ومطالبة الشعوب التي تقع تحت الاستعمار (استقلالها عقب الحرب العالمية الثانية).

سعى الليبيون في الأقاليم الثلاثة – طرابلس، برقة، فزان – إلى المطالبة بالحرية والاستقلال وإنشاء دولة ليبيا الحديثة، أسوة بالدول العربية التي نالت استقلاها، وتصدرت برقة المشهد مع شقيقاتها وكان للدور السنوسي الأثر البارز على يد الأمير إدريس الملك، بعد أن نالت ليبيا استقلالها عام 1951.

خاضت ليبيا رحلة كفاح مريرة وسط بحر من الأمواج العاتية من الدول الاستعمارية وبعض الدول الإقليمية للسيطرة على البلاد وحرمان الشعب الليبي من نيل حريته واستقلاله وخاصة من الدولتين المستعمرتين فرنسا التي كانت تحتل فزان وإيطاليا التي كانت تحتل كامل التراب الليبي، ورضيت أن تبقى سيادتها على طرابلس، وبرقة كان لها وضع خاص مع بريطانيا، التي وافقت على إمارة إدريس السنوسي عليها، ووعدت باستقلال الإقليم.

ولكن اللافت للنظر، هو موقف عبد الرحمن عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية، وهو من مصر ودعوته أن يتكون مجلس وصاية على ليبيا تكون مصر عضوًا فيه، ومع تدرج المفاوضات حاول أن تكون برقة تحت السيادة أو الوصاية المصرية ولكن لتعلق برقة بالإمارة السنوسية، لم يتحقق له ما أراد.

الأمر الذي جعله ينقل توجهه نحو الزعماء الطرابلسيين في محاولة لشق الصف الذي يدعو إلى الاستقلال والوحدة والإمارة السنوسية، ونجح في تحقيق أهدافه، وولدت الدولة الليبية بقرار من الأمم المتحدة، وبعد قيام الدولة التي اعترف بها العالم، ومنها مصر تم ترسيم الحدود بين ليبيا ومصر العضوين في جامعة الدول العربية، ومع ثورة يوليو وانتشار المد القومي الذي تأثر به الكثير من الشباب، والانبهار بعبد الناصر، الأمر الذي دفع ببعض الشباب المتحمس لعبد الناصر من الليبيين إلى الدعوة إلى ضم ليبيا إلى مصر، لأجل تحقيق مشروع الوحدة العربية الذي كان حلم كل شباب ذلك الجيل المتحمس للقضية العربية وإن كانت مجرد أصوات قليلة وليس لها شأن يذكر أو تأثير معتبر.

ومع التحولات الكبيرة والهائلة مع مطلع عام 2011، في المنطقة العربية عامة وفي ليبيا ومصر خاصة، والتي لم تتحدد معالمها ولا نهايتها، بل مازالت في حالة تشكل ولم تصل إلى حالة الاستقرار بعد ظهور صوت في مصر، يطالب بحقوق تاريخية لمصر في برقة التي تتمتع بثروات هائلة من البترول، تفوق احتياجات العدد القليل من السكان.

وهذا الأمر أعلن عنه محمد حسنين هيكل الصحفي المصري المعروف بصلته بالمجلس العسكري الذي كان يحكم مصر في تلك الفترة، وأخذه البعض بعدم الاكتراث، والبعض بعدم التصديق، وإن وجد بعض القبول من بعض وسائل الإعلام المصرية، ورفض شديد من الشارع الليبي، وعدم اكتراث من الحكومتين الليبية والمصرية وتتابعت الدعوات والإشارات المباشرة وغير المباشرة على الإعلام المصري، الذي لا تخفى علاقته بمؤسسة الحكم في مصر الذي يقدم خطابًا تحذيريًا حينًا، وتهديديًا أحيان أخرى، والأكثر ترديدًا هو الحقوق التاريخية لمصر، وحق مصر في الاستفادة من ثروات الشرق الليبي، بالدعوة إلى الاستثمار تارة، وبالمطالبة بالتدخل تارات أخري.

وفي الأيام الأخيرة تطور الأمر إلى مسؤولة مصرية تطالب بإرجاع واحة الكفرة التي تحتوي على كميات كبيرة من احتياطيات النفط إلى السيادة المصرية، صاحب هذا التصريح دعوة كبيرة وواسعة من مسؤولين مصريين وإعلاميين لهم صلة بمؤسسة الحكم في مصر، تطالب الشعب المصري بالهجرة وترك البلد وطلب الرزق في أماكن أخرى .

والسؤال الذي يطرح نفسه أين المكان الأقرب والأسهل للمصريين الذي يمكن الهجرة إليه، وطلب الرزق في ظل ظروف وقوانين ونظم دولية تنظم السفر والإقامة، وتحدد قوانين العمل، وتعاون دولي كبير في العمل على الحد من الهجرات إلى الدول التي هي حلم كل محتاج إلى عمل وحياة كريمة؟

ولكن رئيس حزب الإصلاح والتنمية المصرية يقدم الإجابة بمقترح تعاون واستثمار اقتصادي ينتهي بالتوطين خلال فترة تتراوح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، هذا هو المطروح والمتداول هذه الأيام في سماء الإعلام المصري، وفى تصريحات بعض الساسة، فهل هذه مقدمات وإرهاصات تمهد إلى تغيير في الخارطة الجغرافية والاجتماعية في المنطقة، أم هو كلام لا يتعدى حناجر الناطقين به؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد