في هذا المقال سنتحدث قليلًا عن الطريقة التي ينظر بها الرجل الأبيض أزرق العينين إلى الإنسان الشرقي، إلى عقيدته وثقافته، إلى مجتمعه وأرضه وحضارته، ولن نعتمد في ذلك على آراء الفقهاء و الشيوخ أو المفكرين المسلمين، بل سنطلب رأي رجل نصراني، علماني، هو إدوارد سعيد الذي عاش بين ظهراني الغرب ونُسب إليهم، وذلك عبر تحليله لمفهوم الاستشراق – أي معرفة الغرب للشرق – بوسائل وآليات معرفية غربية، مستثمرًا في ذلك حسه النقدي الأدبي، وتجربته الشخصية وعيشته الثنائية بين الشرق والغرب.

ومرجعنا في ذلك أفكاره وأعماله، سيما كتابه (الاستشراق – Orientalism)، الذي سنلخص أفكاره الأساسية عن طريقة نظر الإنسان الغربي للرجل العربي، في ثلاث قضايا كبرى، لكن قبل ذلك سنعرِّف بالمؤلِّف والمؤلَّف تعريفا مقتضبًا.

المؤلِّفُ سريعًا

لقد تحدث لنا إدوارد سعيد عن نفسِه بنفسه في كتابه (خارِجَ المَكان) وحكى لنا فيه عن سيرته ومسيرته.

وُلد إدوارد في الأول من نوفمبر عام 1935م، على يد قابلة يهودية بالقدس[1]، لأسرةٍ ذات أصول عربية نصرانية فلسطينية، وقد عَرفت عائلته نوعًا من الفصامية والانشطار الهوياتي، من خلال ترددها بين الهوية العربية الفلسطينية، والغربية الأمريكية، وهذا يظهر من خلال اسم إدوارد سعيد، حيث ينشطر اسمه إلى شق عربي (سعيد)، وشق آخر غربي (إدوارد)، وهذا التلاقح سيشكل فيما بعد رؤية سعيد النقدية للعالمين الشرقي والغربي، وذلك بنشأته الفلسطينية وترعرعه المصري، ثم بجنسيته واستقراره الأمريكي، ودراستِه في أعرق الجامعات الغربية، كبرينستون التي تخرج منها عام 1957، وهارفارد التي منحته شهادة الدراسات العليا في الآداب سنة 1963، وغيرها.[2]

لسعيد إسهامات كبيرة كثيرة في نصرة القضية الفلسطينية والدفاع عنها، بل الدفاع عن القضية الشرقية برمتها وعن العرب والإسلام أحيانًا أيضًا، وذلك بامتلاكه حسّا نقديًا أدبيًا وموضوعيةً إنصافية، ودراساتٍ معمقة.

أصيب إدوارد بسرطان في أواخر حياته، لتُقبض روحه سنة 2003 بمدينة نيويورك، عن عمرٍ يناهز 67 عامًا[3]، تاركًا خلفه ثروة نقدية وبحثية هائلة، وترسانة علمية من المحاضرات والمواقف والمؤلفات، لن نذكرها اختصارًا، وقد تأثر سعيد بعدة شخصيات غربية فذة كأنطونيو غرامشي، وجوزيف كونراد، وميشيل فوكو، واستعمل أدواتهم في مواجهة العالم الغربي، فضربهم بسلاحهم، وواجههم بفِكرهم.

كتابه (الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء)، رأى النور سنة 1978، وقد انطلق إدوارد في تأليف كتابه من إشكالية واقعية، ومشكلة تناقضية متضادة، بين ما عاشَه ورآه وخَبِره بالشرق، وبين ما كانت وسائل الإعلام الغربية والمستشرقون يبثُّونه حول الشرق، فقد وجد أن ذلك العالم الشرقي الذي عاش فيه بنفسه هو تماما غير ذلك العالم الذي كان الرجل الغربي يتحدث عنه ويصوره للعالم، وهو ما جعل إدوارد سعيد ينتهض لبيان هذا الأمر وإجلائه، يقول: رأيت أن ما يجري على الأرض في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ما اكتشفته عبر تجربتي الشخصية، لم يكن يتوافق أبداً مع ما يُكتب في وسائل الإعلام الأمريكية على سبيل المثال.[4]

يُعتبر كتابه أحد أهم الظواهر التاريخية التي تحكي لنا عن نظرة الغرب إلى الشرق، وتمثلاته ونِياته وغاياته حوله، خلق الكتاب ضجة عارمة وحملة ردود واسعة في العالم الغربي، ترجم إلى أزيد من 20 لغة، من بينها العربية التي اشتهرت له فيها ترجمتان: الأولى هي ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، 1981)، والثانية ترجمة د. محمد عناني (القاهرة: دار رؤية، ط1، 2006)، وهي أفضل ترجمة للكتاب.

وغرضه في ذلك كله كان توضيحَ مفهوم الاستشراق وتحليلَه باعتباره صورة من صور ممارسة القوة والثقافة والهيمنة السلطوية المعرفية.

وقد قسم كتابه إلى مقدمة وثلاثة فصول كبرى، واثنتي عشرة وحدة قصيرة موزعة على هذه الفصول الثلاثة، وخاتمة.

وفيما يلي، أهم القضايا التي بنى عليها إدوارد سعيد كتابه:

مَعرِفة الشرق

كانت المقدمة الأساسية التي بنى عليها إدوارد سعيد نتائجه، هي بيانه لنَهَم العالم الغربي وتطلعه نحو معرفة الشرق ودراسته (يقصد بالشرق: كل ما سوى الغرب، خصوصًا العالم الإسلامي، العرب، أفريقيا..)، فقد سخَّر العالم الغربي جلَّ طاقاته وموراده وهيئاته السياسية والبحثية لدراسة الشرق ومعرفة نقط ضعفه وقوته، ليس حبًا في الشرق، ولا طلبًا للمعرفة الخالصة حسب إدوارد سعيد، وإنما كانت معرفةً سياسية، بغيتُها استعمار الشرق واستنزافه، ونهب خيراته ومصِّ دمائه وطاقاته، وحُكمه والهيمنة عليه، يقول هو: إن فكرتي هي أن الاهتمام الأوروبي ثم الأمريكي بالشرق كان سياسيًا.[5]

القضية المهمة الأخرى التي يطرحها إدوارد بخصوص دراسة الشرق ومعرفته، هي أن هذه الدراسة لم تكن موضوعية متجرِّدة، فالشرق لم يدرس كما هُوَ، بل دُرس الشرق من منطلق شائه وخلفية إسقاطية جاهزة مفادها: أن الشرق شهواني، جنسي، متخلف، وضعيف يجب أن يُحكم وتصدر عليه الأوامر، لأنه حسب نظريات الغرب الفلسفية والاجتماعية والبيولوجية-الداروينية ضعيف، والضعيف يرضخ للأقوى ويعبده، يقول إدوارد: ونادرا ما رؤي الشرقيون أو نظر إليهم، بل لقد نُظر عبرهم، وحُللوا لا كمواطنين، أو حتى كبشر، بل كمشكلات تتطلب الحل أو الحصر ضمن حدود أو الاحتلال- حين بدأت القوى الاستعمارية تتشهى أراضيهم بشكل علني.. فما دام الشرق ينتمي إلى عرق محكوم، فقد كان ينبغي له أن يحكم.[6]

وأعطى مثالًا بنظرة المستشرق الشهير كرومر، الذي يرى الشرقيين على أنهم: سُذَّج، غافلون، يقسون على الحيوانات، بدويون، لا يعرفون كيف يمشون على الرصيف، على نقيض الانسان الأوروبي.

المعرفة = السلطة

هنا سينطلق إدوارد سعيد في بيان أن الغرب إنما أراد معرفة الشرق؛ لأن هذه المعرفة تمكنه من السلطة والهيمنة والاستحواذ عليه، حيث اعتمد إدوارد على جدلية المعرفة والسلطة بتبنِّيه لنظرية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فيلسوف ما بعد الحداثة، أو ما بعد البنيوية، وصاحب هذه النظرية التي تقول أن: المعرفة تساوي السلطة.

إذ يرى فوكو أنَّ لمجموعة من الناس أن تمتلك أزِمَّة السلطة لصناعة وجهة نظر عالمية أو إعادة صياغة العالم إذا تسلحوا بالمعرفة.[7].

ومن هنا عالج إدوارد سعيد موضوعه الاستشراق بصفته: أسلوبًا غربيًا للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلط عليه.

وانطلاقًا من هذه النظرية بين إدوارد سعيد طريقة رؤية العالم الغربي للعالم الشرقي، حيث قال: إن المعرفة بالعروق المحكومة أو الشرقيين هي التي تجعل حكمهم سهلا ومجديا، فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدًا من المعرفة.[8]

شرقنة الشرق

وهنا زبدة الكتاب ولبَنُه وسمَنه، حيث إذا كان إدوارد سعيد قد انطلق من قضايا كبرى شكَّلها مفهوم الاستشراق الغربي، كالمعرفة، ثم التسلُّط والاستعمار، فإنه في الأخير يخلص إلى نتيجة ما أسماه (شرقنة الشرق- Orientalism Oriental)، ويقصد به: إعادة صياغة العالم الشرقي وإعادة صناعته وخلقه وتدويره كما يحبُّه الغرب أن يكون.

بمعنى آخر: أن عالمنا الشرقي قد استعمِر من طرف الغرب، بعد أن تمَّت دراسته، وهذه الدراسة لم تكن متجردة موضوعية، ولم يدرس الشرق كما هو، بل كانت دراسة الشرق كما يتخيله ويحبُّه الرجل الأشقر الذي يريد أن يستعبده ويستألِهَ عليه، والأدهى من ذلك، أن هذا الشرق أعيد نحتُه على أنه: متخلِّف، رجعي، شهواني، يضطهد المرأة ويستعبدها، ضعيف يجب أن يطلب الحماية (الاستعمار) من سيده الغربي.. وقد تمَّ إقناعنا بهذا وأن هذه حالنا فعلاً، ولازلنا نعيش نتائج هذه الشرقنة كل يوم إلى اليوم.

الخلاصة

يشكل كتاب إدوارد الوعي النقدي الضدي، الموجه إلى الغرب من داخل ثقافته، رسالته أن: العالم الشرقي تمَّت دراسته ومعرفته جيدا، لأن المعرفة تساوي السلطة، هذه السلطة تشكلت في الاستعمار والغزو الغربي الفكري والعسكري، والذي على أساسه تمَّت إعادة شرقنة الشرق وصناعته وفق الصورة التي يحب اللوبي الغربي أن يراه عليها.

وهذا لَعمري هو ما تم غرسه إعلاميا وعولميا، إلى اليوم في قنواتنا وإذاعاتنا المحلية-والدولية، ودُسَّ في ثقافتنا وإعلامنا وصحافتنا، بل وفي برامجنا التعليمية ومناهجنا الدراسية.. إننا اليوم كما يقول إدوارد سعيد: ما لم نفحص الاستشراق باعتباره لونا من ألوان الخطاب فلن نتمكن مطلقًا من تفهم المبحث البالغ الانتظام الذي مكَّن الثقافة الأوروبية من تدبير الشرق – بل ابتدعته – في مجال السياسة وعلم الاجتماع، وفي المجالات العسكرية، والأيديولوجية، والعلمية، والخيالية، وفي الفترة التالية لعصر التنوير.[9]

المصادر

■ الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء: إدوارد سعيد، ترجمة: كمال أبو ديب (مؤسسة الأبحتث العربية، ط2، 1984م)

■ الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق: إدوارد سعيد، ترجمة: محمد عناني (رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2006)

■ الاستشراق عند إدوارد سعيد: رؤية إسلامية: تركي بن خالد الظفيري (مركز التأصيل للدرسات والبحوث، الطبعة الثانية 2015)

■ خارج المكان: إدوارد سعيد، ترجمة: فواز طرابلسي، ط1، (بيروت- دار الآداب، 2000م)

● [1]: خارج المكان: إدوارد سعيد (ص45)

● [2]: الاستشراق عند إدوارد سعيد، رؤية إسلامية، د. تركي بن خالد الظفيري (ص29-28)

● [3]: عن إدوارد سعيد الذي لم يكن خارج المكان، كمال أديب، ضمن كتاب: إدوارد سعيد، الطائر المهاجر (ص345)

● [4]: انظر: تعقيبات على الاستشراق، إدوارد سعيد (145-141)، من: الاستشراق عند إدوارد سعيد (59)

● [5]: الاستشراق: إدوارد سعيد (ص46)

● [6]: السابق(218)

● [7]: صدام ما بعد الحداثة (94)، من: الاستشراق عند إدوارد سعيد (57) ]

● [8]: الاستشراق (68)

● [9]: الاستشراق، ترجمة محمد عناني (46)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد