في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي/ الخامس الهجري نشأت إمارة أنطاكية الصليبية نتيجة للجهد المشترك لكل رجال الحملة الصليبية الأولى.

سقطت مدينة أنطاكية في يد الصليبيين ليؤسسوا فيها ثاني الإمارات الصليبية في الشرق الإسلامي بعد كونتية الرها، ويصبح بوهيموند الأمير النورماندي أميرًا للمدينة، ولم يكد بوهيموند يستقر في مدينته الجديدة إلا وقام بالتوسع على حساب المسلمين فقد سمحت له الفوضى التي كانت سائدة في العالم الإسلامي بصفة عامة وبلاد الشام بصفة خاصة من أن يوسع أملاكه رغم قلة عدد قواته، وعانى مسلمو حلب من هجمات بوهيموند.

بدأ الصليبيون وفي أيديهم مدينة أنطاكية، وانتهى الأمر بهم إلى فرض سيطرتهم على شمال بلاد الشام من شيزر جنوبًا إلى مرعش شمالاً، ومن حلب شرقـًا إلى اللاذقية غربًا، وهكذا أرسى الأمير بوهيموند الأول قواعد الإمارة، وحافظ عليها خليفته الأمير تنكريد، وبلغ بها خليفتهما الأمير روجر الأنطاكي الذروة، تميزت عهود هؤلاء الأمراء الثلاثة في تاريخ الإمارة بالقوة والتفوق على  المسلمين، وشهدت عهودهم ظهور أول التحالفات “الإسلامية – الصليبية”، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المصالح الخاصة وتشابك العلاقات بين القادة المسلمين والصليبيين كانت هي الدافع وراء ذلك التحالف، نجح جهاد أتابكة الموصل والأراتقة  وأمراء دمشق في وضع حد للهيمنة الصليبية لأمراء أنطاكية في شمالي الشام حيث تحالف إيلغازي الأرتقي مع طغتكين أتابك دمشق ضد أمير أنطاكية، وجاءت هزيمة روجر الأنطاكي ومقتله مع غالبية جيشه في موقعة ساحة الدم 1119/ 513 لتنجد المسلمين في شمال الشام.

Untitled

انتهى عصر القوة في تاريخ الإمارة الصليبية بموت روجر الأنطاكي وفقدت إمارة أنطاكية الصليبية حدودها الواسعة في عهد الأمراء بوهيموند الثاني وريموند بواتييه ورينو دي شاتيون، ولم تعد حدود الإمارة تتجاوز سهل أنطاكية، ولم يكن ذلك تقصيرًا من أي منهم، بل يرجع إلى بوادر ظهور الوحدة الإسلامية الكبرى التي بدأت في عهد عماد الدين زنكي ونضجت في عهد ابنه نور الدين محمود، استغل زنكي ضعف الصليبيين وتناحرهم واستطاع الاستيلاء على إمارة الرها، اتخذت إمارة أنطاكية الصليبية موقفـًا دفاعيًا في الوقت الذي تمت فيه الوحدة الإسلامية على يد نور الدين محمود،  وما حفظ إمارة أنطاكية من السقوط في يد نور الدين هو دخولها تحت الحماية البيزنطية، فقد تكونت إمارة أنطاكية الصليبية في أراض كانت بالأمس بيزنطية، يتضح موقف نور الدين من إمارة أنطاكية الصليبية حين استطاع أن يهزم الصليبيين هزيمة كبيرة عند حارم وأسر كونت طرابلس، وأمير أنطاكية الشاب بوهيموند الثالث حيث امتنع عن أخذ المدينة بل أطلق سراح بوهيموند الثالث مقابل فدية وعقد هدنة معه وعبر نور الدين عن سياسته بقوله: “إننا إذا ضيقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية، وسلموها إليه، ومجاورة بيمند أحب إلي من جوار ملك الروم”.

لما كانت الحماية البيزنطية على أنطاكية قد وقفت حائلاً أمام المسلمين في فترة المد الإسلامي في عهد نور الدين، فإنها لم تمثل عائقـًا في عهد خلفه صلاح الدين، فقد انتهت السيادة البيزنطية على أنطاكية بعد الهزيمة الساحقة التي مني بها البيزنطيون أمام سلاجقة الروم في عام 1176/572 عند مضيق فريجيا ولم يعد باستطاعة البيزنطيين فرض سيادتهم على إمارة أنطاكية، اكتفي صلاح الدين بمراقبة إمارة أنطاكية ومهادنتها في الفترة التي سبقت موقعة حطين، وذلك حتى يتفرغ لتوحيد كل القوى الإسلامية تحت قيادته.

في عام 1187/583 سحقت قوات صلاح الدين الجيش الصليبي كله في معركة حطين وأسر ملك بيت المقدس مع غالبية كونتات وأمراء الصليبيين وفقد الصليبيون كل مدن مملكة بيت المقدس وكونتية طرابلس وإمارة أنطاكية باستثناء مدينة صور ومدينة طرابلس وقلعة أنطرطوس ومدينة أنطاكية وحصن المرقب وميناء السويدية، وبهذا فقدت الإمارة الصليبية غالبية ممتلكاتها ولم يبق أمام صلاح الدين إلا الاستيلاء على المدينة نفسها إلا أنه أثر عقد هدنة مع أميرها بوهيموند الثالث، لعلمه أن فتح أنطاكية سيأخذ وقتـًا طويلاً لحصانة المدينة ومناعتها، في الوقت الذي وصلته أخبار خروج الإمبراطور الألماني فريدريك بربروسا بجيش جرار إلى الشرق، بل وصلته رسالة من الإمبراطور الألماني يهدده فيه بوصوله مع كل شعوب أوروبا لمواجهته واسترداد القدس، ورد عليه صلاح الدين بتهديد مماثل لكل من يتجرأ ويأتي لبلاد المسلمين.

لم تستطيع الحملة الصليبية الثالثة رغم ضخامتها من استرداد القدس ولم تحقق إنجازًا كبيرًا، فكل ما بقي بحوزة الصليبيين كان شريطـًا ساحليًا ضيقـًا يمتد من صور إلى يافا، ولم تساهم إمارة أنطاكية بأي عمل ذي قيمة في الحملة الصليبية الثالثة، ولم تسترد أيًا من ممتلكاتها.

انشغل المسلمون بعد موت صلاح الدين بخلافاتهم المستمرة، وانشغل أمراء أنطاكية بوهيموند الثالث ومن بعده بوهيموند الرابع بالخلافات مع الأرمن عن حدوث أية مواجهة عسكرية بينهم ، وشهدت العلاقات بين المسلمين في حلب وإمارة أنطاكية حالة من التحالف ضد الأرمن، بل إن مساعدة أمير حلب الأيوبي الظاهر غازي بن صلاح الدين سمحت لبوهيموند الرابع بمقاومة الأرمن أكثر من مرة، وبموت الظاهر انتهى التحالف الأنطاكي الحلبي ووقعت أنطاكية تحت حكم الأرمن لمدة ثلاث سنوات.

جاءت فترة حكم بوهيموند الخامس لتميز فترة شاذة في فترات العلاقات السياسية بين إمارة أنطاكية الصليبية والمسلمين، فهي فترة سادت فيها العلاقات السلمية بين الطرفين، بل كان يسعى فيها أمير أنطاكية إلى عقد الصلح بين مسلمي حلب وبين فرسان الجماعات الدينية الصليبية الداوية والاسبتارية.

كانت الفوضى تضرب المنطقة بأكملها ويتحالف فيها الصليبيون والأرمن مع المسلمين ضد بنى جلدتهم والعكس؛ حيث انغمس الخوارزميون وسلاجقة الروم والأيوبيون في مصر والشام والأرمن والصليبيون في عكا وأنطاكية وقبرص بل وصل الأمر إلى وصول حملة صليبية إلى الشرق لكي تتحالف مع السلطان الكامل لكي يواجه أخاه المعظم الذي تحالف مع الخوارزميين.

شكلت موقعة الحربية وهزيمة الصليبيين فيها وسحق الجيش الصليبي بأكلمه كارثة على الصليبيين بصفة عامة وأنطاكية بصفة خاصة، حيث فقدت فيها البقية الباقية من قوتها العسكرية، في وقت كانت فيه الإمارة في أمس الحاجة إلى من يدافع عنها، ولم ينه هذه الفوضى سوى وصول الغزو المغولي إلى المنطقة.

في عام 1243/641 اندفع المغول بقيادة باطو إلى الجزيرة وملطية وهزموا كيخسرو الثاني سلطان سلاجقة الروم وحلفاءهم من الأيوبيين، وخضع الأرمن بقيادة ملكهم هيثوم الأول لباطو.

في عام 1244/642 أرسل باطو إنذارًا إلى بوهيموند الخامس أمير أنطاكية يأمره فيه بثلاثة أشياء وهي: “تدمير استحكامات مدنه وقلاعه – إرسال إيرادات دولته للخان الأعظم – إرسال ثلاثة آلاف عذراء إلى قراقورم”، رفض بوهيموند الخامس هذه المطالب واستعد للمقاومة، لكن الحملة المغولية لم تستمر، وعادت القوات المغولية إلى الشرق بسبب ظروف موت الخان الأعظم للمغول.

ساءت أحوال إمارة أنطاكية الاقتصادية، ووقعت مدن الإمارة فريسة لهجمات قبائل التركمان، في الوقت الذى اقترب فيه الغزو المغولي من العراق وبلاد المسلمين، فقام لويس التاسع قبل رحليه من الشام بعد فشل حملته على مصر بالتوسط وعقد صلح بين أمير أنطاكية وملك أرمينيا، تحسنت العلاقة بين إمارة أنطاكية ومملكة أرمينيا، وتوثقت عرى الصداقة بزواج أمير أنطاكية بوهيموند السادس من ابنة هيثوم الأول ملك أرمينيا، كان من نتائج هذا التحالف الأنطاكي الأرميني أن أدخل هيثوم أنطاكية في فلك المغول، الأمر الذي ساعد بوهيموند على استرداد كثير من أملاك الإمارة التي فقدتها أيام صلاح الدين، كان اختيار أنطاكية أن تتحالف مع الأرمن، ومن ثم الخضوع الكامل للمغول، هذا الأمر الذي وضع نهاية تاريخ الإمارة الصليبية، لأن هذا التحالف في النهاية جعل أنطاكية شأنها شأن مملكة الأرمن الهدف الأول لانتقام المماليك فيما بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ
(2) ابن شداد، النوادر السلطانية
(3) ابن العديم، زبدة الحلب
(4) أبو الفداء، المختصر في تاريخ البشر
(5) ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق
(6) ابن واصل، مفرج الكروب
(7) أبو شامة، الروضتين
(8) جوزيف نسيم يوسف، الوحدة وحركات اليقظة العربية
(9) حسين عطية، إمارة أنطاكية الصليبية وعلاقتها بجيرانها المسلمين.
(10) سعيد عاشور، الحركة الصليبية
(11) Jean Richard, The mongols and the franks
(12) Juvaini , The history
(13) Fulcher of Chartres , Gesta francorum therusaiem peregrimantium
عرض التعليقات
تحميل المزيد