انتشرت في الآونة الأخيرة في الوطن العربي لدى الكثير من المؤسسات والشركات التجارية والجمعيات الخيرية، بالإضافة للوزارات والحكومات، أو حتى على الصعيد الفردي ثقافة إعداد الخطط، سواء الاستراتيجية أو التشغيلية، وتُعد هذه الثقافة من المُبشرات بمستقبل واعد؛ لأن من يسير على هدىً أفضل ممن يهيم على وجهه في معترك الحياة، وخصوصًا في زماننا هذا؛ حيث تتسارع الأحداث بشكل لحظي بفضل التطور التكنولوجي والصناعي.

وإن كان العرب والمُسلمون مُتأخرون في هذا المجال وقد سبقهم الغرب بسنوات طويل، بل أصبحوا الآن يسيرون حسب الخطط الموضوعة لهم من قِبل الغرب ودُول الهيمنة والاحتلال في العالم؛ الأمر الذي يُحقق مصالح أُولئك وأطماعهم، ويحرمنا نُحن العرب من أدنى حقوقنا في الحرية والحياة الكريمة في أوطاننا، إلا أننا نستطيع أن نقول: إن نبدأ مُتأخرين خيرٌ من ألا نبدأ.

وليكن في وُجداننا أن الزمان ليس في صالحنا والمؤامرات قد فعلت بنا الأفاعيل وأحوال الوطن العربي بالعموم في حالة اضطراب وغليان والاقتصاد وأسعار السوق لا تستقر على حال، وإن مثل هذه الظروف قد لا تكون بيئة مثالية لإعداد خُطط نسعى من خلالها لتحقيق أهدافنا المنشودة، ولكن علينا أن نستمر في المحاولة ونجتهد للوصول لأفضل الطرق والسُبل التي يمكن أن نحقق من خلالها ما نصبو إليه من عِزة وكرامة وتمكين في بلادنا لأجل خلق تنمية حقيقية، وإعادة إحياء حضارتنا المُغيبة.

وبنظرة مُتفحصة للتخطيط فسنرى أن التخطيط، سواء الشهري أو السنوي أو الاستراتيجي الذي درسناه بالجامعات أو تعلمناه من خلال الدورات التدريبية تقوم فلسفته على وضع رؤية عامة تُمثل هدف كبير يحمل معاني رائعة وجميلة ويرسم صورة ذهنية متفائلة للمستقبل والتي يتم السعي لتحقيقها والوصول إليها، ويُتبع بعد ذلك عدد من الأهداف الأصغر المأمول انجازها – والتي بإنجازها تتحقق الرؤية – يليها عدد من الأنشطة والوسائل المختلفة والمتنوعة القابلة للتنفيذ والقياس، ويوضع كل ذلك بجدول أعمال مُنظم ومرتبط بإطار وجدولة زمنية، ويسبق ذلك تحليل للبيئة وما فيها من نقاط قوة ونقاط ضعف، بالإضافة للنظر للتحديات والفرص الحالية، وهذا شيء جيد وجميل أن نتعلمه ونفهمه؛ لأنه أساس العمل التخطيطي وجوهره ويؤدي لتنظيم أوقاتنا ويجعل أعمالنا تتجه صوب تحقيق أهداف منشودة وكلما تقدم بنا الزمان فإننا نسير نحو الرؤية الذي نصبو إليها.

ولكن في الحقيقة فإن هذا النهج والأسلوب في ظروفنا المعلومة بما فيها من مُتغيرات سريعة جدًا لن يُجدي كثيرًا وقد تعصف بِخُططنا الظروف والمُتغيرات السياسية إذا لم تُتبع الخطط وبالتوازي مع أدائنا للأنشطة والوسائل درجة عالية من الجهوزية لاقتناص الفرص وعدم تفويتها وخسرانها، فالتخطيط الحقيقي هو اقتناص الفرص التي قد تلوح أمامنا بسرعة لمح البصر فلا يراها أكثر الناس ويراها البعض فيعجز أن يتخذ موقف تجاهها ولكن يصطادها الألمعي الحذق، وعلى صعيد آخر يعني التخطيط إغفال الفرص الموهومة التي يعتبرها البعض صيدًا ثمينًا بينما هي سراب بقيعة.

لذلك فالتخطيط التقليدي المعروف لن يلبي حاجاتنا ونحن بحاجة لنوع جديد من التخطيط وهو ما يُطلق عليه التخطيط بالسيناريو، وقد قام بذلك خالد بن الوليد في معركة أُحد عندما استغل فرصة نزول الرُماة عن الجبل فالتف بسرعة البرق خلف جيش المسلمين وغير مسار المعركة وحول الهزيمة إلى نصر في لحظة فرصة سانحة استثمرها لصالح جيشه، ويُعتبر هذا المشهد سمة بارزة ومُميزة للمعارك الحربية بسبب طبيعتها السريعة والحاسمة وما تفرضه من موت أو حياة.

ولكن أيضًا الحياة المدنية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو المهنية أو حتى الشخصية، فإنها مليئة بالفرص وكل يوم هناك ملايين الفرص، ولكنها بحاجة لمن يملك الجُرأة والتحدي ليستغلها ويستثمرها وإن كانت خارج إطار الخُطة المُعدة أو ليست بالحسبان، فرُب فرصة تسبق ألف خُطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد