في كل يوم من حياتنا نشتكي من تحديات الحياة والمشقة والعناء، وصعوبة إدراك الأهداف الثمينة والمكانة العظيمة التي نسعى لأجلها سعيًا مستمرًا، دون الالتفات لدقات الساعة، وكأننا نتخلى بإرادة عمياء عن كل ما خلقنا من أجله حتى إذا انتهت الرحلة وأضربت العقارب عن المرور قدمًا معلنةً أن كل أرصدتنا من الوقت قد نفدت، حينها إذا تمر أمام أعيننا مشاهد العمر الضائع، الذي أضعناه دون أي اكتراث، معتقدين أننا نسعى نحو ما هو أثمن، إنها لحقيقة لن يدركها إلا من زهد الحياة بمغرياتها وأدرك الجوهر الحقيقي لكل ما حوله.

لا أنسى المواقف التي تعرضت لها كثيرًا حينما أقابل من يبكى على ضياع وظيفة أو تعثر حصوله على فرصة للسفر حول العالم، أو تدني مستوياته الدراسية وما إلى ذلك من ابتلاءات تصيب الإنسان في مراحل حياته المختلفة، اختبارات حقيقية نتعرض لها كل يوم، وقليلًا ما نحسن التصرف.

أتعجب من شكواهم وتذمرهم بسبب رغبات تبدو في قمة الرفاهية بالنسبة لأناس آخرين، وهذه نتيجة حتمية لإيقاع حياة سريعة، في كل جزء من الثانية ينطلق المزيد والمزيد من سُبل الرفاهية والحداثة لخدمة الإنسان وإعفائه من أقل المهام جُهدًا؛ حتى تحولنا إلى كائنات كسولة هشة؛ تبكي وتتذمر كطفل رضيع، إذا فقدت هذه الرفاهية، واصطدمت بمتطلبات الحياة الواقعية، حيث نعجز عن تلبية رغباتنا بأنفسنا، وهنا ندرك أسوأ الحقائق على الإطلاق: إن الإنسان قد أصبح عبدًا ذليلًا لكل مغريات الحياة وشهواتها، ضعيف النفس والإرادة أمام كل ما يبعث الرضا والسعادة في نفسه، يسعى سعيًا نحو كل ما يشعل فيه شُعورًا باللذة الزائفة، مُغمض العينين مستسلمًا غافلًا، وكأن الله ما جعل له من عقل أو قلب، وهو أعز المخلوقات وأعظمها، ولكن الأيامَ لا تُبقي شيئًا على حاله، إذا ما استسلم المرء لها؛ أخضعته لرغباتها الخاصة، والتي نادرًا ما تتفق مع هواه.

قِف دون رأيك في الحياةِ مُجاهدًا                     إن الحياةَ عقيدةٌ وجهاد
أحمد شوقي

قد أوهمنا أنفسنا بعديد من الأوهام، أهمها وهم البحث عن السعادة، والبحث ينطبق على كل ما هو مادي وملموس، وبذلك قد افترضنا مفهومًا جديدًا لها، وكأنها شيء نراه ونلمسه ونلبسه ونتزين به نتذوقه ونشمه ونفرض سيطرتنا عليه، ومنه نستمد القوة وبه نعيش، وإذا ما أضعناه أو ضيعنا نبك ونصرخ ونوقف عجلة القيادة ونترك سيارة الحياة واقفة على جانب الطريق، ناظرين إلى عقارب الساعة، فلا  نلحظ لها حركة، كأنها واقفة تمامًا، وقد أصبحنا عميانًا عن كل شيء، نصب كامل تركيزنا على السعادة، ثابتين في أماكننا؛ ننتظرها وكأنها ضيف عزيز.

وبعد مرور الزمن، صديقتي سعادة لم تأت بعد، فأتساءل: ترى ماذا فعلت لتغضب عليّ؟ لماذا تركتني حزينًا هائمًا طوال هذا الوقت، وهي تعلم تعلقي الزائد بها، وهيامي بكل ما توفره لي من مدخرات وأشياء مادية كثيرة تلهيني عن الحقيقة التي دائمًا وأبدًا أتهرب منها، وأظل على حالتي هذه؛ حتى توقظني قدماي التي تعبت من الوقوف والانتظار، وتفيق عيناي لترى النهار الذي أصبح ليلًا دامسًا يشير إلى نهاية نافذة شئت أم أبيت.

في هذه اللحظة فقط ينفذ النور إلى عيناي فأبصر حقيقة ما حولي، أرى كم أضعت من أشياء وضعها الله – سبحانه وتعالى – بداخلي ومن حولي، فأتذكر ذرات الهواء التي كانت تعبرني في خفة دون أن أشعر وقد أصبحت تواجه ضيقًا في صدري الذي امتلأ بشهوات و ملذات، وقلبي العزيز الذي كان ينبض ويدق دون كلل أو شكوى وقد أصبح الآن عليلًا ضعيفًا غير قادر على مواكبة رغباتي التي لا تنتهي، أنظر مجددًا فأرى عائلتي التي ذهب كل منها في طريقه، وأبكي عليهم جميعًا فإنهم يسيرون في نفس طريقي الذي اخترته قبل سنوات كثيرة، فأقول يا ليتني أملك من القوة والقدرة لأحذرهم! ولكن لا أستطيع؛ قد عجزت قوتي واتسعت الفجوة بيني وبينهم، ولن يسمعوا لي كما لم أسمع لهم من قبل، يشتد الألم أكثر، وتؤلمني قدماي من جديد، وقد نفد صبرها على الوقوف؛ فأسقط على الأرض آسفًا على ضياع الكثير والكثير لأجل القليل من القليل.

يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي

إني لتؤلمني حقيقة، ألا وهي عزوفنا عن كل ما حصلنا عليه دون مجهود بالمجان، والعجز عن رؤية الأشياء الثمينة في حياتنا، أرى الجميع يهتف ويطلب ويشتكي إذا ما فقد أمور مادية ستزول حتمًا، وأراهم أيضًا وقد أضاعوا الحب والأمان والطمأنينة والأهل والأولاد، نضيع أهم الأشياء ولا نكترث؛ لأن كل ما لم نتعب لأجله يبدو دائمًا بلا قيمة، إننا لا نعتصر ألمًا إلا لفقدان الغالي والثمين، فقدان الأشياء التي ذرفنا من أجلها قطرات العرق ودقات قلب يسيطر عليها القلق وليالي طويلة تفتقد إلى الراحة والسكون، كل ما ضاع في زحام الحياة كان نعمًا وهبات ربانية رزقنا بها، دون أن نتعب؛ لأننا إذا اجتهدنا وتعسرنا للحصول عليها سنتألم كثيرًا ويتعكر صفو أيامنا لغياب أي منها، فرفقًا بأنفسكم، ولا تضيعوا المتبقي لكم في رحلة الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد