من أنا؟ لماذا خلقت؟

«إن للناس كل أنواع الاهتمامات، فبعضهم يجمع القطع القديمة أو الطوابع، كثيرون يفضلون القراءة لكن كل شيء يتوقف على ماذا نقرأ؟»، ألبرتو كنوكس أحد أبطال الرواية.

ماذا نقرأ؟ هل سألنا أنفسنا قبل قراءة شيء ما «ماذا نقرأ»؟ هل قراءة الروايات البوليسية وقصص الحب هو ما يحتاجه القارئ العربي ليثري معرفته ويصف نفسه بالقارئ؟ هل نهتم كمربين ومعلمين للبحث عن الكتب الموجهة للناشئ العربي لتوجيه فكره نحو احترام إرثه الفلسفي الإسلامي والأدب العربي؟ ما القراءة؟ لماذا نقرأ؟

كثيرة هي الأسئلة التي تستثيرها رواية عالم صوفي في خلد القارئ العربي، رواية تمتلئ بالمعلومات الفلسفية الغربية بأسلوب مبسط يستطيع فهمه حتى من لا يمتلك المعرفة الكافية، كتبها الأستاذ الجامعي النرويجي غوستاين غاردر، أستاذ الفلسفة والتاريخ، اشتهر بكتاباته للأطفال، إلا أن «عالم صوفي» هي الرواية التي توجهت به نحو العالمية، صدرت عام 1991م، هي مدخل مبسط عن تاريخ الفلسفة موجهة للمراهقين وبشكل خاص للقارئ النرويجي، إلا أنه أيضًا يشكل قاموسًا لأهم الفلاسفة والفكر الفلسفي الغربي للقراء من جميع الفئات العمرية، هي نقطة البداية التي توجه الباحث للإبحار في رموز الفلسفة الغربية.

السؤال الذي يخطف لب القارئ لهذه الرواية هو: أين الفلسفة الإسلامية؟ إن الكاتب لم يذكر أيًا من رموز الفلسفة الإسلامية على الرغم من التقدم الذي وصلت إليه، وتأثر الفلسفة الغربية خصوصًا بالفلاسفة المسلمين في الأندلس مثل ابن رشد وابن طفيل، وما أشارت إليه النسخة العربية عن عدد من الفلاسفة المسلمين ما هو إلا اجتهاد من المترجمة حياة الحويك عطية، الأمر الذي جعل الكاتب محمد رضا اللواتي يكتب استدراكًا لرواية «عالم صوفي» روايته «البعد الضائع في عالم صوفي»، يستعرض فيها تاريخ الفلسفة الإسلامية وأشهر رموزها وأهم إنجازاتها ومسائلها، نقل الرواية إلى الإنجليزية الدكتور حسن أحمد اللواتي ونشرته في الولايات المتحدة وأوروبا دورانس العالمية.

ما هي الفلسفة الإسلامية؟

إن في الإسلام مضمونًا فلسفيًّا واضحًا، من جهة أنه يتناول كثيرًا من الموضوعات ويقدم كثيرًا من الإجابات على الأسئلة الأساسية التي تتناولها الفلسفة، سواء الكلاسيكية في نظامها الثنائي: الحكمة العلمية: فقط على مستوى الإلهيات بالمعنى الأخص، والحكمة العملية: الأخلاق، والتدبير المنزلي، والسياسة، أم المعاصرة: الأنطولوجيا، والإكسيولوجيا، والإبستمولوجيا.

فالإسلام على مستوى النص يطرح أسئلة الوجود الإلهي، والكوزمولوجي، والإنساني، والعلاقة بين الجميع، وهي نفس الميادين التي يبحثها الفيلسوف. هذا ما يسميه سلطان العميري (المخزون الفلسفي في الإسلام). فللإسلام فلسفته بمعنى أن له أطروحاته وإجاباته عن تلك الأسئلة.

إن أساس الفلسفة الإسلامية هي الغاية من وجود الإنسان، لماذا خلق الله الإنسان؟ الجواب الحاضر في القران الكريم هو أن يكون الإنسان خليفة الله في الأرض ليعمرها بعبادته عز وجل واتباع تعاليمه، قال الله تعالى في سورة البقرة:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30).

لدينا منارات عملاقة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، مثل طاهر علاء الدين الجيلاني، نحن بحاجة إلى قراءة منصفة لمؤلفات هؤلاء المنارات، بالإضافة إلى مفكرين وفلاسفة المسلمين في العصر الحديث أذكر منهم:

محمد عمارة وأهم كتبه معالم المنهج الإسلامي، علي شريعتي أهم كتبه العودة إلى الذات، مالك بن نبي أهم كتبه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وغيرهم من أئمة الفلسفة الإسلامية المعاصرة مثل محمد الغزالي، علي الوردي، محمد أركون… .

غوستاين غاردر يذكرنا بمعنى الفلسفة وهو حب الحكمة، وضرورة البحث وشغف المعرفة، هذا الشغف الذي لا يوجد في حياة الشخص الذي يدعي المعرفة بكل شيء، فيقول:

إنها قصة عادة، المحزن أننا نتعود على أشياء كثيرة ونحن نكبر، ويبدو أنه مع تقدم العمر لا يظل هناك ما يدهشنا.

الفلسفة وما ينبثق عنها من فن الكلام والجدل، ما نحتاجه بشدة في مجتمعاتنا العربية، أن نجادل بفن نناقش بحرفية دون القذف والذم والاستهزاء، كم نحن بحاجة إلى أقلام أدبية أكثر توجه الفكر في مجتمعاتنا، وللإنصاف أذكر الأستاذ كامل الكيلاني أحد هؤلاء الكتاب العرب المبدعين الذين ساهموا في ولادة كتب لتوجيه الفكر عند الناشئة، لكن السواد الأعظم من رواياتنا وقصصنا هي روايات فارغة، وموضوعات حب مستهلكة.

نحتاج إلى أقلام تخترق نفس القارئ كبراعة غوستاين غاردر وذكائه، ففي نهاية الرواية قد يصاب القارئ بالملل فتجد الكاتب يفاجئك بجملة: لم يبق الكثير من الصفحات، يوجه القارئ بحرفية ويتسلسل بأفكار الإيمان بالله وربطه بالفلسفة، يعرض وجهة نظره في حبكة الرواية والحوارات التي تدور بين أبطالها، يتنقل بسلاسة بين المونولوج الداخلي والخارجي.

هذا الكاتب الذي ألف رواية فتاة البرتقال بأسلوب مماثل لرواية عالم صوفي وهو أسلوب الرسالة، لقد أوصل رسالته بطريقة معلم للكبار والصغار وعلينا أن نتعلم، أن رسائلنا الفكرية نوصلها لأبنائنا وللآخرين بأسلوب يستحوذ اهتماماتهم ويحترم تباين قدراتهم العقلية، أن ننصت طويلا لروحنا داخلنا وللكون حولنا، ونبحث كثيرًا ونتحدث قليلا ونسعى للإنجاز بعمق لنصل إلى معرفة طريقة استعادة فكر يغير واقعنا، ذلك الفكر الذي أنجب يومًا الحضارة الإسلامية على امتداد رقعتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد