كانوا يناشدون اللاجئين بالرحيل، معللين استنزاف الاقتصاد بوجودهم، لتبقي تلك الأحزاب على عقلية التوريث في الحكم والمناصب والاختلاس من المديريات العامة.

فكل ما يحكى في تلك البلاد عن وطنيات لا تتعدى صدى المنابر التي يتكلمون منها، فلبنان اليوم ليس أوروبا الشرق كما كان يحكى، وكان لا بد للمواطنين أن ينتفضوا من تحت الرماد، فأحلام الشعب البسيطة كبرت على سياسيي لبنان، ولم تكن الحرية المطلب الأول لنزولهم إلى الشوارع كباقي الدول العربية الثائرة، وإنما لإيقاف الاختلاس الاقتصادي من قبل السياسيين في لبنان.

وخلال هذه السجالات السياسية والمناطقية المقيتة التي يعيشها لبنان، فإن جميع سياسييه يرمون بتعطل التنمية في لبنان إما على لاجئين خرجوا من أوطانهم مكرهين، وإما على أياد إقليمية خفية يعلمونها علم اليقين دون ازاحتها عن وجه وطنهم لبنان صاحب الاقتصاد المتعثر.

فالدين العام اللبناني بلغ ما نسبته 152% من إجمال الناتج المحلي عام 2018، مع العلم أن لبنان يملك من مقومات النهوض الاقتصادي الكثير، بدءًا من السياحة، والزراعة، والتجارة إلى الثروات الباطنية غير المستثمرة.

شتات الثروات

التضخم الاقتصادي، وانهيار العملة اللبنانية، وغياب التطوير المنشود في البنى التحتية، وتواتر حدة التصريحات السياسية انعكس كل ذلك سلبًا على أداء بوابة المورد الأول في لبنان وهو السياحة، والذي إذا ما استثمر سيشكل موردًا لا يستهان به في مقابل ما ستصرفه الحكومة لتطويره، فهناك الكثير من التصريحات الإحصائية المتخبطة المتعلقة بعدد الزوار والسياح، والمتعلقة بالعائد المباشر وغير المباشر لقطاع السياحة في لبنان ومساهمته في الناتج القومي، فكانت إيرادات لبنان من السياحة عام 2018م 8.4 مليار دولار بعدد سياح وصل إلى1.96 مليون سائح بحسب تقديرات منظمة السياحة العالمية، إلا أن سياسي لبنان لم يأخذوا بأهمية هذه النعمة سوى لزيادة أرصدتهم البنكية في الخارج، وبناء مشروعاتهم الخاصة، فباءت الكثير من المخططات والمشروعات السياحية بالفشل، وذهبت هذه المليارات دون استثمارها في إحياء هذا القطاع، الذي يمكن أن تعتمد عليه لبنان مصدرًا مهمًّا من القطع الأجنبي، ورفع قيمة العلمة اللبنانية.

وبحسب الدراسات التي تعكس الواقع الحقيقي للنفط والغاز اللبناني غير المستثمرين، يوجد في المياه الإقليمية اللبنانية فقط وبحسب الدراسات أكثر من 30 تريليون قدم مكعب من الغاز، وأكثر من 660 مليون برميل من النفط، أغلبها مغيب عن الاقتصاد اللبناني نتيجة التحاصصات السياسية والتجاذبات الإقليمية المتعلقة بترسيم الحدود القضية المطروحة منذ سنوات دون حل يذكر.

أما عن التصدير اللبناني، فقد تراجع خلال سنواته الأخيرة ليشكل الاستيراد نسبًا أعلى وبالتالي عجز أكبر في الميزان التجاري اللبناني مع وجود ضائقة في التدفق المالي للاستثمار في لبنان، ليشكل التصدير ما يقارب نسبته 25% من الاستيراد، والمثير للريبة حصول البضائع الأمريكية على المرتبة الأولى في قائمة الاستيراد في لبنان، ليصبح مركزًا للبضائع الأمريكية، في الشرق الأوسط ما لم تتم معالجة الوضع الاقتصادي اللبناني، وما يدعو للتبيان وجود تباين غير منطقي بين العقوبات الأمريكية على لبنان؛ نتيجة علاقته مع إيران، والبضائع الأمريكية التي تحتل المرتبة الأولى من الاستيراد..!

ومن ناحية أخرى فإن الفرص الاستثمارية في لبنان كثيرة جدًّا، إلا أن قرارات المستثمرين في العشر سنوات الأخيرة لم تكن لصالح لبنان؛ نتيجة المخاطر السياسية و المناطقية التي يعيشها البلد، فقد تقلص الاستثمار الاجنبي بنسبة 32% خلال السنوات السابقة، ووصلت نسب البطالة إلى 36% في فئة الشباب، بحسب تقديرات البنك الدولي.

أما عن القطاع الزراعي فيعد من أهم مكونات الاقتصاد اللبناني؛ يشكل هذا القطاع مصدر دخل لما يقارب 14% من السكان، ففي لبنان تتوفر اليد العاملة والتربة الخصبة والمناخ المتنوع إلا أن الإجراءات الحكومية الخجولة للحفاظ على هذه الثروة وتطويرها، وغياب القوانين و الخطط الناجحة والمنتظمة جعلت هذا القطاع يعاني من مشاكل عديدة تحتاج إلى حلول مدروسة مباشرة، وإلا سيخرج هذا القطاع من الثروة اللبنانية.

وإذا ما نظرنا إلى الخطط العربية في مواجهة المشاكل الاقتصادية، نراها موحدة فيما بينهم، ولا توحدهم لمواجهة ما يعانون من أزمات، فقد لجأ أصحاب القرار في لبنان من أجل حل كارثة العجز الاقتصادي في الموازنة اللبنانية، والعمل على تحسين الوضع المعيشي للمواطنين إلى تصريحات وقرارات معسولة قدمت للمتظاهرين الغاضبين المطالبين ولأول مرة بإسقاط جميع السياسيين دون تمييز طائفي.

والكثير يحمل الكيان الصهيوني مسؤولية عدم تنفيذ المشروعات ليعودوا إلى الأيادي الخفية وأذرع اسرائيل في لبنان و دأذرع إقليمية أخرى.

وأخيرًا يستطيع لبنان بمساهمة سياسييه، ومن يدعي حماية لبنان من العدو الصهيوني، أن يدافعوا عن مشروعلتهم التي تؤمن للمواطن اللبناني، حياة كريمة إن باشروا في إنشائها وجعلوا خلافهم السياسي بعيدًا عن قوت المواطن، واقتصاد البلاد، ليخلقوا بذلك مناخًا استثماريًٌا جيدًا، محاسبين كل العصابات التي تتحكم باقتصاد لبنان ومصادر دخله، واضعين الخطط اللازمة من أجل النهوض بالاقتصاد اللبناني بأيادي بيضاء، ذات خبرة اقتصادية ومهنية، فلبنان ليست غزة المحاصرة وتملك كل مقومات الاقتصاد بكل معانيه.

ولا بد للبنان أن يستفيد من الدعم المقدم له و المقدر ب 11 مليار دولار، والتي أقرت كمنح، وقروض خلال مؤتمر سيدر في عام 2018 م دون اختلاس هذه المليارات أو إيقاف تدفقها بسبب النزاعات السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد