الحب تلك العاطفة التي أسرت الإنسان على مر الزمان وشجعته على الإتيان بأمور خارقة وفعل المستحيل لإرضاء محبوبه، فكم من محب وعد حبيبه أن يأتيه بلبن العصفور أو أن يسكنه القمر أو حتى وعده بوضع الدنيا بأسرها على يمينه إن هو رضي! وما جميل الأشعار وبليغ الكلمات إلا نتاجًا لهذه العاطفة، بل إن العمائر وبديع المباني والقصور ما كانت إلا تجسيدا لهذه العاطفة، وتاج محل تشهد، بل اتخذ بعضهم منحى آخر للتعبير عن عاطفة الحب هذه، فما كان لهم مصير إلا الجنون، ولكن إذا علمت أن هذه العاطفة التي أقامت الدنيا وأقعدتها ما هي إلا نتاج عمليات وتفاعلات كيميائية، فهل سيكون لك رأي آخر للتعبير عن الحب أو إظهاره.

علم الجمال، وهو أحد مباحث الفلسفة يهتم بالبحث عن الجمال وتأثيراته على الإنسان، وإنا لنُسرُّ لرؤية الشيء الجميل ولو كنا لا نمكله فالجميل ترتاح له النفس وينشرح له الصدر، ولكن ليس كل ما ترتاح له النفس جميلا، ذلك لأن اللذة التي تحدث من الجمال هي نتيجة تأثير في العقل بواسطة الحواس، وتحديدا الحواس الراقية،  وهي حاستا السمع والبصر، وليس كل ما يلذ لحاستي اللمس والشم دائما جميلًا فلا شيء من الجمال في فاكهة لذيذة  عند أكلها، والسمع والبصر هما العضوان اللذان يوصلان إلى المخ أو إلى المركز العصبي كل التأثيرات التي تحدث من التأمل في اللون والشكل والحركة، أو سماع أصوات خاصة، وغالبًا ما تكون هذه التأثرات مصحوبة بشعور بلذة أو ألم، وتسمى اللذة التي تحدث من التأمل في الجمال بلذة الجمال، وهي أثر الجمال يخاطب عقولنا وعواطفنا وخيالنا بواسطة الحواس فيذكي نفوسنا ويرقيها، والإنسان كثيرًا ما يحس بسرور، ولا يعرف علته وقلما يبحث في السبب ويحلله.

الحب ما هو إلا حالة عاطفية، أي الحالة التي تزيد فيها عاطفة معينة أو مجموعة عواطف وتتسبب في زيادة إفراز هرمون الدوبامين Dopamine، وهو مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر على الكثير من الأحاسيس والسلوكيات بما في ذلك الانتباه، ويؤدي الدوبامين دورًا رئيسا في الإحساس بالمتعة والسعادة والإدمان، وتكون مستويات الدوبامين عالية في جسم الإنسان في مراحل الطفولة الأولى، وتنخفض بمرور الزمن وتقدم الإنسان في العمر، أي كلما كبر الإنسان تقل مستويات الدوبامين عنده، وتبدأ بالتلاشي؛ ليختفي معها إحساسنا بالسعادة، ومن الطبيعي أن تصل مستويات الدوبامين ذروتها في مراحل عمرية معينة، يصحبها تغيرات فسيولوجية في الجسم، كمرحلة المراهقة مثلًا، وهو ما يفسر شعورنا بأشياء معينة، كالحب مثلًا في مراحل عمرية محددة، حيث تكون مستويات مؤشرات الشعور بالحب عالية.

ويعد شعورك بحالة الحب هذه، أحد المؤثرات الخارجية التي تقوم بتنبيه الجسم لإفراز هرمون الدوبامين، وقد يكون رؤية المحب لحبيبه أيضًا أحد المؤثرات الخارجية التي تحفز الجسم على إفراز هذا الهرمون، ومن ثم يقوم الجهاز العصبي الودي Sympathetic، وهو ناقل عصبي، بتنبيه الدماغ؛ ليقوم بإفراز المزيد من الدوبامين، حيث تصاحبه أعراض أخرى، كزيادة ضربات القلب والتعرق، وحتى زيادة إفراز هرمونات أخرى، وعن هذه الحالة تقول الطبيبة العمومية عزاز الشيخ: هي أشبه بحالة التخدير التي تسبق إجراء الطبيب للعمليات الجراحية، حيث يقل فيها الوعي بالأشياء، وتحدث حالة تشبه الغشاوة التي تغطي الأشياء.

ومن المعروف أن الحالة العاطفية للإنسان تكون لها تأثيرات على حالته الصحية، فغالبًا ما تؤثر على وظائف الأعضاء؛ مما يسبب ضيقا في التنفس، أو زيادة في ضربات القلب كما أسلفنا، وهي نتاج التنبيه الذي يرسله المخ لزيادة معدلات التنفس وارتخاء العضلات؛ فتجد الإنسان لا يقوى حتى على حمل جسمه، أو المشي، أو حتى تحريك أطرافه، وتقوم العواطف بالسيطرة على نظام الجسم كليًا؛ مما يسبب خللا في عمل الجسم، وقد تمتد تأثيراته لتشمل الصحة النفسية أيضًا؛ مما يعد من أهم مسببات الهستيريا، وهي أضرار يمكن تلافيها، إذا لم يستجب الإنسان من البداية لهذه المنبهات والتأثيرات الخارجية.

كما يلعب السيروتونين دورًا مهما في إحساسنا بالسعادة ولذة الحب، وهو إحدى الناقلات العصبية، حيث تقوم هذه المادة بلعب دور مهم في تنظيم مزاج الإنسان، لذا يسمى أحيانا بهرمون السعادة أيضًا، كما تلعب هذه المادة دورًا في ربط الحب بالرغبة الجنسية، والتي تنشأ من خلال مجموعة من الأحاسيس والمشاعر المرتبطة بالإنسان، حيث تتحد الهرمونات الجنسية مع مواد ومركبات كيميائية عصبية أخرى، كمادة السيروتونين؛ لإنتاج الرغبة الجنسية، ويزيد إفراز هذه المادة عند حدوث تأثير خارجي، كالذي تحدثنا عنه سابقًا، كرؤية المحب لحبيبه، أو عند رؤية شيء جميل، أو حتى عند ممارسة أي نشاط محبب إلى النفس.

وفي المحصلة، فما الحياة إلا تفاعلات كيميائية تحكم حركاتنا وسكناتنا، فشعورنا بالجوع تفاعل كيميائي، وشعورنا بالحزن تفاعل كيميائي، وحتى الغضب الذي يعمي بصائرنا ما هو إلا تفاعل كيميائي، لذلك ليس مستغربًا أن يكون شعورنا بالحب هو أيضًا تفاعلًا كيميائيا آخر، لذلك لا تجعل حياتك سجينة لمجموعة من التفاعلات الكيمائية، فلو علم عنتر أن شغفه بابنة عمه ما هو إلا نتاج تفاعل كيميائي لما أقام الدنيا وأقعدها، وكذلك قيس كان من الممكن ألا يفقد عقله، دع المركبات والمواد الكيميائية تتصارع فيما بينها، وامض بحياتك للأمام؛ فقد لا يدرك المرء أي هذه التفاعلات قد يورده موارد الهلاك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب مبادئ الفلسلفة – أ. س. رابوبرت
عرض التعليقات
تحميل المزيد