قيل عن الحب الكثير، لكن أكثر من تكلموا عنه قالوا إنهم لم يوفوه حقه مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، والسبب في هذا يعود لكون الحب عاطفه، وفي سلطان العواطف يذوب المنطق والدليل، كذوبان الجليد في الماء. وبعض العارفين شبه سر الحب بسر الماء الذي رغم كونه بلا لون ولا رائحة ولا طعم إلا أننا مع هذا لا نستطيع الحياة بدونه!

يعد الحب في الله من أسمى مراتب الحب، وما دون الله عند المؤمنين زايل؛ لذلك فحبه أدوم وأنقى من أي حب مرهون بالمصالح الآنية. وقد قال العارفون من قبل إن هناك طريقين في مدارج السالكين نحو حب الله، أما الطريق الأول فهو ربط النعم بالمنعم؛ فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، فعلى المريد استشعار حب الله له في كل نعمة يتلقاها منه، والتنبه بلطفه الدائم به، ومن معاني صفة اللطيف المنسوبة لله هي أن تنهال عليك النعم من كل جانب، فلا تشعر بها إلا في حال فقدانها، ومن كثرتها لا تستطيع حتى حصرها، وقد تكفر بها أحيانًا لأنك لم تعد تراها، ولعل حرمانك لها أحيانًا، أو حرمان من هم حولك يجعلك تعرف قدرها بعد حين، ويقول ابن عطاء الله السكندري في ذلك حكمة بليغة وهي: «من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان؛ قيد إليه بسلاسل الامتحان».

أما الطريق الآخر يتمحور في ذكر الله، ومن عادة أي المحب ذكر محبوبه على الدوام، فلسانه لا يكل ولا يمل من ذكر محبوبه في السر والعلن، في النهار والليل، وقد أمر الله عباده بذكره، بل ووعد بذكر من يذكره على الدوام فقال: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ...». ومسمى الصلاة ما هي إلا صلة بين العبد وربه عبر ذكره ودعائه، وقد توعد من يستكبر عن عبادة فقال: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ». حتى في شأن الفضفضة بين المحبين فمن عادة المحب إفضاء ما في قلبه لمحبوبه، وعندما جاء أبناء يعقوب لأبيهم ليخبروه بسجن أخيهم الأصغر عند عزيز مصر أجهش بالبكاء، وقالوا «قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ» فنفى ذلك، وقال «قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ»؛ إذ كان يعقوب -عليه السلام- يستغل فرصة تلقيه خبر موجع فيفضفض بصدق عما في قلبه من هموم لله، وهو موقن بكشف الغمة عنه حتى كان بكاؤه ينسيه نفسه فيترك أثرًا فيمن يسمع لنحيبه الخارج من قلبه بصدق، وقد قيل لأحد العارفين مالك كلما تكلمت بكى من يسمعك ولا يبكي من كلام واعظ المدينة أحد؟ فقال له: ليس بكاء النائحة الثكلى كالمستأجرة!

قال أحد المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة! قال يا بني: هل ابتلاك بمحبوب سواه فأثرت عليه إياه. فقال: لا. قال: فلا تطمع إذن بالمحبة فإنه لا يعطيها عبدًا حتى يبلوه «إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه». ويحكى أن مالكا بن دينار والحسن البصري وشقيق البلخي غدوا لزيارة رابعة العدوية فسألتهم عن معنى الصدق، فقال الحسن البصري: ليس صادقًا في دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه، فقالت رابعة: هذا غرور. فقال شقيق البلخي: ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه، فقالت: هناك ما هو خير من هذا. فقال مالك بن دينار: ليس بصادق في دعواه من لم يتلذذ بضرب مولاه، فصاحت رابعة: بل ثمة أفضل من هذا كله. فقالوا: تكلمي أنت إذن، فقالت: ليس بصادق في دعواه من لم ينس الضرب في مشاهدة مولاه مثل نسوة مصر اللائي نسين آلام أيديهن لما رأين في وجه يوسف!

وقف جلال الدين الرومي وقفة جادة عند آية «يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» حيث هدد الله من يرتد عن دينه بالحب، فليس أقسى على أي محب في العالم أن يجد من يحب محبوبه السابق أكثر مما كان يحبه، ويغار عليه أكثر من غيرته على محبوبه، فتلك عقوبة قاسية لا يشعر بها إلا من جرب لوعة الحب، وقد فسر أبو حامد الغزالي «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» فقال: أثبت الله بها الحب وأثبت أنه يزيد عند المؤمنين الذين يعرفون محبوبهم -وهو الله- أكثر من غيرهم، والمحبة في طبيعتها تتبع المعرفة؛ فقد فسر بعضهم آية «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» فقرأها هكذا: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفون، وعنون ابن القيم الجوزية في كتابه الفوائد مقال تحت عنوان تحت «المحبة تتبع المعرفة».

يصر كثير من الناس على تعليل الحب بالجمال، فيقول مثلًا: أنا أحبه. وعندما تسأله لماذا؟ يجيبك ببساطة لأنه جميل. والحق أن المنطق غائب في محراب الحب كما قلنا، فهو يحبه لا شعوريًّا، ولكن تلك العاطفة الخفية تجذبه نحو عقلنة حبه بالدلائل الحسية والمنطقية، ولا شك أن تعليله بالجمال أحد أسباب زيادة المحبة، وقد دعا الله إلى النظر في ملكوته وآياته في السموات والأرض في كتابه الكريم، لكن المخلوق يحن إلى خالقه بضرورة وجوده، فلا يجد محبوبًا أسمى في الله، ولا يجد راحة إلا في السكون إليه، ولا غنى إلا به، ولا جمالًا إلا في التشوق إليه. والخالق يحن إلى من خلق ببره ورحمته، وبحكم احتياج المخلوق إلى خالقه، إلا إذا كان من الكافرين الأشقياء، أو من ذل بالحب المادي حتى هلك فيه.

هب أن الله وهبك هبة يغبطك عليها كثير من الناس، فمن أحق بالحب هل الهبة ذاتها أم الواهب؟ إذا كنت اخترت الهبة ونسيت الواهب فلا شك أنها حماقة منك، أما إذا اخترت الواهب فهو الوحيد القادر على أن يهبك مثلها، أو أفضل منها في حال فقدانها، وفي هذا المثال يتجسد الفرق بين الحب في الله وفي غيره، وقد قال بعض العارفين: «الغـافـل إذا أصبح يـنـظـر مـاذا يـفـعـل والـعـاقـل يـنـظـر مـاذا يـفـعـل الله به».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد