الحب يجلب الثرثرة

في ظن كافكا:

«المرء على أية حال لا يثرثر إلا عندما يشعر مرة بشيء من السعادة».

وهكذا كانت رسائله للأديبة ذات المقالات التشيكية الذكية الواعية. ثرثرة  تلو الأخرى. يتلهفان لإرسال المظاريف الجادة الفلسفية، القلقة كعادتها، مؤرقة كشأنه، وخجلة متوردة كقلبيهما، بين العشق والكتابة والموسيقى والفن والمرض!

كافكا كان يوبخ ميلينا حين تتأخر في الرد على رسائله أو تقابل سطوره بالصمت بأن يقول: «عليكِ أن تكوني أكثر مسئولية». عتابات الكُتاب لبعضهم البعض رقيقة جدًا وتكاد تحث الابتسام. من كافكا إلى ميلينا: «أنا الآن في انتظار أحد أمرين إما أن تواصلي الصمت الذي سيكون معناه لا تخشَ عليّ أنا في خير حال أو بالأحرى بضع سطور قلائل».

والأجمل من ذلك هما الثنائي اللذان يتناقشان كثيرًا ويتفقان ألا يتفقا وقد يدخل الشيطان بينهما لكنهما يتقنان امتصاص غضب بعضهما البعض. فإذا شد أحدهما لان الآخر وهكذا دواليك. يدخل على المثقفين المتفاهمين سوء تفاهم مبين وهو صحي. صحي جدًا يثري الفكر ويوطد الصلات. فيوضح إليها أن: «كلًا منا يخطئ – بسبب الخوف – فهم الآخر».

لذا فإن فرانز كافكا هو الرجل الوحيد الذي رأيته يقول لامرأة إنه تلميذها. وفي رسائل أخرى يلقبها بمدرسته. وهو الذي يكبرها بأربعة عشر عامًا على حد قوله «جيل بأكمله» فخالط شعره بعض البياض بفعل الصداع واكتئاب الموهوبين وتفكيرهم الزائد ليلًا فيصف المرض في عقله. أتصدق هذا الفيلسوف يزعم كونه مجنونًا؟! وقلت ذات مرة ما الفرق بين المجانين والفلاسفة غير أن الأول يهذي بسفه والثاني يهذي بحكمة!

كافكا فار من الزواج مغرمًا بامرأة متزوجة

كانت ميلينا في الثالثة والعشرين من العمر لما بدأت تنهار علاقتها الزوجية التي أدت للانفصال التام. كما فسخ كافكا خطوبته من فليسيه باور التي ترجاها الليالي لمدة خمس سنوات كي تقبل به. ففي رسالة لفيليس باور قال: «أنتِ دائمًا عند نقطة الزوال تمامًا، وأنا عند نقطة إنهاك نفسي بنفسي».

كان يضغط عليها بحبه كما ضغط المطرقة على مسمار نحيل فيتقوس وينثني تمامًا. فرضخت له رغم ما يراودها من شكوك حياله فلا تشعر بالدفء تجاهه وهما يجلسان على الأريكة ذاتها وكيف لها ذلك وهو الذي فسخ خطوبته مرتين قبل الزفاف بأيام قلائل وبها يتم الثالثة.

أرسلت له برقية للقاء، لكنه لم يحضر. وفضل أن يخاطب ميلينا عوضًا عن ذلك يفسر توتره ونذالته وقد برر لها ألا لوم عليها وأنه فقط المدان. فهو ليس ملاكًا وقد اعتاد الخطأ في حق الكثيرين وهو بالأحرى لا يرضيه أبدًا لكنهم كذلك اعتادوا ألا يلوموه ويكملوا حياتهم على أكمل وأسعد وجه بدونه. وبذلك يكون منزهًا عن أي عتاب!

ويحق القول إنه كان يعاني من فوبيا الزواج وعلاقته بالأطفال ليست جيدة أبدًا تخلو من الود فتعرض لمحاولات للتخلص منه عديدة يقودها ثلاث شقيقات صغيرات يقيم معهن أكبرهن تكاد تبلغ الخامسة. وكان يصفها بمحاولات قتل بينما أمهن التي تكور بطنها وزوجها يضحكان على عراك الأطفال المستمر معه.

كافكا لم يكن بحاجة لتبادله ميلينا الحب – كما ثقافتها وعقليتها وإرادتها وجمال ذهنها وحضور روحها.

إيمانها – ناقدةً – به كاتبًا لم يكن سببًا محوريًا لهذا التعلق والافتتان بها الذي سرعان ما تحول لعشق ناضج حاولا تبديده بعقلانيتهما لكنه لم يصل أبدًا حد الزوال.

 ترجمتها بوادره القصصية القصيرة مهدت حياته الأدبية. فعبر عن مشاعره تجاهها بأبسط الكلمات:

«أنتِ تنتمين إليّ حتى ولو قُدر لي ألا أراكِ مرة ثانية على الإطلاق».

أيهم أكثر فتكًا السُل أم الحب أم الذل؟

نهايتهما كانت بائسة. بعد عامين من غرامهما قضى الأول نحبه بالسُل أما ميلينا الكاثوليكية سجينة يفترسها المرض والذل في السجون النازية. ومن الجدير بالذكر: توقعت الخادمة الرؤوم تفاقم داء كافكا قبل الطبيب لما رأت النزيف يسيل من فمه بأن قالت: «سيدي الدكتور- مشيرة لكافكا – إنك لن تعيش طويلًا».

أجمل وصفه لنفسه: «إنك لست متعبًا لكنك خائف من ذلك التعب اللانهائي الذي سوف يعقب ذلك القلق اللانهائي».

لا حب في باريس بل في شيكاغو

كانت سيمون أديبة فرنسية تعمل في مجلة حين تعرفت على نيلسون الأمريكي في شيكاغو كان لديه كتاب قد نشره حديثًا. قبل خمسين عامًا اشتعلت نار حبهما الخارج عن النمطية. فسيمون لم تكن جميلة الشكل بل قيل قبيحة في التاسعة والثلاثين من عمرها. من يقع في غرام فيلسوفة وجودية من غير بلدته تتحدث بلغة غيره وتختلف عاداتهم وأساليبهم؟

استمرت المراسلات  من عام 1947 حتى عام 1964 وقد احتفظ نيلسون إليغرين بهذه الرسائل في أرشيفه في جامعة كولومبيا في أوهايو.

المذهل في قصة نيلسون وغرامه بذهن النسوية سيمون دي بوفوار هذه المرأة الباردة عواطفها الصلبة العقلانية التي تدوس الحب بكل قوتها أنها تحولت في رسائلها إلى صبية ضعيفة مغرمة. تشتاق وتسعى للقاء، وتتغاضى عن أحزانها وكبريائها بأن تبدأ الحديث بعد تغير صديقها معها منذ ديسمبر. تشكو أنه يعاملها كعاشق مقرب ويكاتبها كعابر سبيل كأنها أحد المعارف الغرباء.

فتشعر أنه قريب جدًا لكنه بعيد جدًا. وكان ذلك يؤلمها ويغضبها. فترسل له: «أنا لست حزينة، بالأحرى مذهولة، بعيدة جدًا عن نفسي، لا أصدق حقًا أنك الآن بعيد جدًا، بعيد جدًا، أنت قريب جدًا. أريد أن أخبرك بشيئين فقط قبل الرحيل، وبعدها لن أتحدث عن هذا الأمر مرة أخرى، أعدك. أولًا، أنا أتمنى بشدة، أريد وأحتاج بشدة أن أراك مرة أخرى في يوم ما. ولكن تذكر من فضلك أنني لن أطلب منك أن أراك – ليس هذا نابعًا من كبريائي طالما أنني لا أملك منه شيئًا وأنا معك كما تعرف، ولكن لقاءنا سيعني شيئًا فقط حين ترغب أنت في ذلك. أنا لن أفترض أنك ستحبني مجددًا، وليس علينا أن نبقى سويًا مدة طويلة – فقط لما تشعر، عندما تشعر. ولكن اعلم أنني سأشتاق دومًا لأن تطلب مني ذلك. لا، أنا لا يمكنني تصور أنني لن أراك مرة أخرى».

في رسالة أخرى: «حبيبي.. ليلًا ونهارًا، أشعر بأني مغلفة بحبك، إنه يحميني من كل الشرور. عندما تكون الدنيا ساخنة فإن حبك ينعشني وعندما تهب الرياح الباردة فهو يدفئني. وطالما تحبني فإنني لا أشعر بأن الشيخوخة ستصلني ولن أموت».

جاءها حبيبها أوروبا طالبًا وصالها وكان يعرف ردها لم تكن على استعداد أن تتخلى عن الكتابة من أجل الحب. لا يمكن لسيمون أن تسلم نفسها لحياة بورجوازية آمنة دون مخاطر فلسفية أدبية جريئة ثورية متمردة آثرت أن تشارك صديقها الأديب جان بول سارتر أفكارهم الوجودية في ضواحي فرنسا. فقد تخلت عن حياتها الشخصية من أجل النضال النسوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد