في قلب وعروق كل امرأة عربية إرث أجيال من الاستضعاف، التمييز والاضطهاد والكبت الممنهج لجوانب القوة فيها، عاشت بنات جنسي لأزمنة طويلة تحت وطأة العقلية الذكورية المتزمّتة وسلطة المجتمع الأبوي، حملن في أحشائهن صرخة ألم مُختنقة أنتجت أجيالًا من الذكور والإناث المشتتين، الزومبيين الضالين عن مسعاهم وهدفهم الأسمى في الحياة.

في المحتوى الرقمي العربي «تتعلّب» المرأة في قوالب ساذجة وغبية لا تمثل حقيقتها وواقعها، مواضيع من قبيل؛ عالم حواء، عالم أنوثة وجمال، وصفات، نساء فقط … إلخ. لم تعد مقبولة لأن الحقيقة هي أن المرأة العربية ليست كائنًا فضائيًّا يعيش في مجرة أخرى، وبالتأكيد ليست جسدًا بدون رأس صالحة لتطبخ، تتجمّل وتتطوّر فقط في الحدود التي تُرضي الآخر ولا تُشعره بالتهديد!

الأنوثة بأوجهها المُتضاربة

المرأة تحمل في طبيعتها الأولية القوة والنعومة معًا؛ والنعومة هنا ليست بمعنى الضعف والخنوع بل هي خاصيّة تتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة من أجل أن تُحب، تُربّي وتعتني، هي القدرة على المخاطرة بإبانة عواطفها في أمومتها وأكثر المواقف حميمية في حياتها. أما القوة فهي المقدرة المُتأصّلة على المُبادرة والقيادة وهي الضراوة في الدفاع عن نفسها، هويتها وقضيتها وكذا الاستماتة في حماية من وما تحب، وكثيرة هي المعاني الضمنية المرتبطة بهاذين المُتناقضين.

هذه الصفات تجتمع في كل أنثى غير أن الظروف الاجتماعية، التنشئة والعوامل الخارجية المتعددة تجعلها تكبت جانبًا على حساب الآخر فلا تعرف كيف توازي وتحتضن كليهما في ذاتها، شخصيتها وكيانها المُتجلي في واقعها الفيزيائي حيث يؤدي ذلك إلى التجسيد المتطرّف لأبعد الحدود لجوهر الأنوثة، فهي إمّا تلك الأنثى الضعيفة الخانعة والخاضعة التي تسلّم أمرها وتعيش وفق قوانين وأعراف المجتمع وتعيش مقتنعة تمامًا أن هذا ما يُفترض أن تكون، تحت وصاية وحماية رجل، فقيه، عشيرة، قانون، فهم مشوه لنص ديني معين. حيث تتقمّص كليًّا دور المرأة المختبـئة وراء الظل، هذه الصورة متواجدة في جداتنا وأمهاتنا، عمّاتنا وخالاتنا وكثيرات من بنات جيلي أيضًا اللواتي لم تُسعفهن الدراسة الأكاديمية، التحقيق العلمي ولا الإنجاز المهني في الخروج من صناديق نمطية بائسة فظللن يسبحن في مياه راكدة معظم حياتهن.

في مُقابل هذا نرى الأنثى الثائرة على كل القيود، المتنكرة لكل الأعراف والتقاليد بدون استثناء، يملؤها الغلّ والرغبة الدفينة في الانتقام من كل شيء وأي شيء، تعتقد أن الرجل هو عدوها اللدود، تعيش حياتها شاهرة سيفها في وجه العالم، تستشيط غضبًا في أبسط المواقف، كثيرات يقعن في فخّ الثورة من أجل الثورة دون الوعي بأن فكرة الثورة هي في الأساس من أجل تحقيق هدف وإنجاح قضية إنسانية نبيلة نتاجها الصالح العام لجميع فئات المجتمع.

الصورة الأنثوية الثالثة والمتواجدة في عالمنا بكثرة هي المرأة بين المِطْرَقَةِ والسِّنْدانِ، بين الحب تارة والحرب تارة أخرى؛ هي الشابة العربية التي تبحث عن الحب الحقيقي، الاستقرار والدفء وفي نفس الوقت ترغب أيضًا بالاستمتاع بالاستقلالية واستكشاف مناطق أخرى من كينونتها وإمكاناتها كإنسانة مثل السفر مُنفردة، تأسيس شركة ناشئة، تحقيق استقلال مالي أو إنجاز إبداع فكري فني معيّن. هذا الصراع الذي لا تتوازن فيه أبدًا قوى الليونة والخشونة، له تأثيرات سلبية على جودة الحياة المشتركة، كما يُمثل واحدًا من أسباب أزمة الهوية عند الأفراد.

أسطورة الحب والحرب والانبعاث

في الحضارة السومرية التي نشأت في أرض العراق عام خمسة آلاف قبل الميلاد، تتحدّث واحدة من الأساطير المعروفة عن عشتار التي أرادت أن تزور شقيقتها الإلهة ايرشكيجال التي تحكم العالم السفلي، خلال استعدادها لهذه الرحلة وكعادتها تأنقت وارتدت أفضل ما لديها من ملابس وحلي وتزينت كما تفعل دائمًا حين تكون مُشرفة على خوض حرب ما، مما أثار توجس أختها التي اعتقدت بأنها تستعد لغزو عالمها السفلي وانتزاع مقاليد الحكم منها وهو الشيء الذي دفعها لأن تكيد لها المكائد وتخطط لقتلها. حتى تنفذ إلى العالم السفلي كان عليها أن تمر عبر بوابات سبع حيث يُطلب منها أن تنزع في كل واحدة قطعة مما ترتدي حيث انتهى بها الأمر في الأخير عارية الجسد، ضعيفة وعاجزة لتتمكن منها شقيقتها وتُجهز عليها. وكان لموتها عواقب وخيمة على خصوبة الأرض ونموّ الزرع ليقرر إله الحكمة بعد هذا أن يُعيد إحيائها مُلقيًا عبارة شهيرة في الميثولوجيا السومرية تقول؛ «لا أحد يعود من العالم السفلي بدون وصمة»، رغم أثر المعاناة والألم الذي رأته عشتار في حياتها السابقة مُنحت هبة عظيمة وهي الانبعاث والولادة الجديدة.

مفهوم المرأة ـ عشتار هو تقمّص ودمج لقيم وخصال تبدو مُتناقضة ومتنافرة. في الأسطورة هي آلهة الحب والحرب في آن واحد، هذه المرأة الشابة الجميلة لها طبيعة ثنائية القطب، هي قادرة أن تحب بعمق فتعيش كل الدفء، والرقة، والعذوبة والحنان في حضن شريك حياتها أو مع أطفالها، كما أنها قادرة أن تحارب بشراسة، وضراوة، ووحشية وعنف فتكون مُدافعة عن قضية إنسانية أو قائدة سياسية قوية بإمكانها تغيير قوانين جائرة وشغل مناصب عُليا تتطلب كياسة، حنكة ورجاحة عقل على مُستوى كبير.

المرأة حين تتآلف الثنائيات

هناك امرأة وقائدة سياسية جسدت كل هذه المعاني باحترافية شديدة في أحداث نيوزيلاندا الإرهابية مؤخرًا؛ رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن تعاملت مع الموقف بتعاطف إنساني بالغ حيث تواصلت مع ممثلي وأفراد المُجتمع المسلم وأعربت عن أسفها بصدق ونزاهة باديتين على تفاصيل وجهها وكل كلمة في خطاباتها مما أثلج صدر المسلمين في نيوزيلاندا والعالم بأكمله، وفي نفس الوقت كانت حازمة في التعامل الفوري بقرارها السياسي حول موضوع قانون ملكية الأسلحة في بلدها. هذه الميزة الجبارة في احتضان القدرة على الليونة والتعاطف من جهة ومن جهة أخرى إظهار القوة والحسم حين يتطلب الموقف ذلك بمرونة عالية هي التجسيد الضمني لعشتار الأسطورة.

بالرغم من الألم والإحساس بالاستضعاف الذي ورثته وقد تعيشه المرأة العربية، هناك دائمًا فرصة لولادة جديدة، انبعاث من الموت وهبة الحياة التي تتآلف فيها جوانب الأنثى القوية المُحاربة على شتى الجبهات والهشة، مرهفة المشاعر التي تحتوي بحنانها وعطفها، لأن هنا يكمن حل الأحجية المفقود في لعبة الثورة من أجل الحقوق، المُساوة والكرامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد