يعد الفنان محمود عبد العزيز فنانًا عبقريًّا، وكلمة عبقري لا تطلق على أي فنان حتى لو كان نجم شباك، والمقصود بكلمة عبقري الفنان الذي يؤثر في الفن بالسحر، فالكثير من الفنانين حولوا نصوصًا حية إلى مقبرة، ولو ذكرت أمثلة لتفاجأ الكثير، الفنان العبقري هو من يدير السفينة بأي اتجاه بغض النظر عن الريح، لا بديل عنه لا يمكن استنساخه بأي صورة، يبقى مثل تمثال الحرية شامخ على مر العصور.

الساحر محمود عبد العزيز صاحب مدرسة فنية يتدفق منها الإبداع، والحقيقة أن الساحر لم يكن محظوظًا، فالكثير من الفنانين خدمهم الحظ مع أن الفن لا علاقة له بالحظ، لكن بظل معادلة التحولات التي يعيشها الفن فرض الحظ نفسه كشريك ثقيل الدم، وفي النهاية السينما تجارة، والفن يأتي المرتبة الثالثة، طالما الحكومة تفرض ضرائب على صناع السينما يبقى المنتج يحمل الآلة الحاسبة، حتى في الأردن الفقيرة بالإنتاج السينمائي، الحكومة تفرض ضرائب عليها رغم أن شركات الإنتاج تسوق للأردن أكثر من الحكومة.

ما يميز الساحر محمود عبد العزيز أنه يملك مساحة بين شخصيته، والشخصية التي يؤديها، يراوغ بالمساحة بمنتهى السهولة، والحقيقة أن الكثير من الفنانين لا يملكون هذه المساحة، فترى الفنان ذهب إلى أداء شخصية وبعد الانتهاء لم يستطع العودة إلى شخصيته، أو حتى إلى أي شخصية أخرى، يبقى عالقًا فيها، لكن الساحر يتنقل في المساحة بمنتهى السهولة.

من خصائص الفن الأبدية والخلود، فهناك فنان اللحظة الذي لا يسمح له بالدخول ذاكرة الفن، فالكثير من الفنانين فنانين اللحظة، وأقصد بذلك الفنان الذي تعيش أعماله لحظات، سنة، ثلاث سنوات، فبنسبة للفن الأرقام التي ذكرتها لحظات، لكن الساحر محمود عبد العزيز فنان الأبدية، فالشيخ حسني ورأفت الهجان ومنصور بهجت شخصيات حفرت اسمها في تاريخ السينما تبقى مدرسة لكل النقاد والمخرجين والكتاب، فالفنان الحقيقي يطرح على نفسه سؤال «كيف سيتذكرني الجمهور؟» والفنان الذي لا يطرح على نفسه هذا السؤال لم يكن يومًا فنانًا، بل تاجرًا.

لم يرض الساحر أن يصنع مشهدًا دون أن يضيف بسمة ضحكة، دمعة حزن، فبعض أوراق السيناريو خفيفة لأن فيها كلمات فارغة، والبعض ثقيلة لأنها حقيقة، والفنان عندما يقرأ النص يعرف حقيقته، لكن هنا تبرز عبقرية الساحر، فلا يكتفي فقط بقراءة النص، يذهب إلى ما بعد النص إلى الأشياء التي لا تكتب، فالنص داخله إحساس ومشاعر، والفنان العبقري من يخرج الكلمات من صمتها.

بحياة الساحر محمود عبد العزيز عدة أفلام لو تحدثت عنها أحتاج إلى ساعات، لكن هناك مشاهد عالقة بذاكرة الفن، سوف أتحدث عنها، من لم يشاهد فيلم «الكت كات» الفيلم الذي أحب أطلق عليه فيلم المثلث الذهبي لتكامل عناصره الفنية من نص قوي إلى إخراج عبقري إلى تمثيل، فالفنان محمود عبد العزيز عرف قيمة النص، وأيقن أنه نص الأبدية والخلود ولا إبلاغ بذلك، فحول النص إلى عملية إبداع فني لا مثيل له، فالشيخ حسني ترسخ في عقول المشاهدين، لدرجة أني تعرفت على شاب ضرير وحدثني عن عشقه للساحر محمود عبد العزيز، وكيف تعلم من الشيخ حسني حب الحياة، وكيف يعيشها، وكيف أعطاه الأمل، وهنا أضع كلمة أمل تحت خطين، ماذا يعني أن يعطي الفنان للمشاهد أملًا، يعني أن رسالته الفنية أداها على أكمل وجه، وهنا كم أعطى محمود عبد العزيز إنسانًا أملًا بالحياة، وفي أكثر المشاهد عبقرية بالفيلم في أثناء جلوس الشيخ حسني مع رفاقه الحشاشين يدور حوار يسأله أصدقاؤه الحشاشون عن سبب فقدانه لبصره، ويجيب لأنه رأى فتاة جميلة قد تكون أنسية أو فتاة، بالمشهد يختلط الأمل بالحزن بالخرافة، تذوب عناصر الحياة لتصنع الشيخ حسني، ليترك أثرًا في المشاهد، يجعله مرتبكًا بين حزن الشيخ حسني وبين دعابته، كل مشهد بفيلم «الكت كات» له حكاية يتدفق منها الألم المصاحب للأمل، ولا شك لو ممثل آخر أدى الفيلم لن يستطيع إنتاج حسًّا إنسانيًّا عاليًا كالساحر محمود عبد العزيز، فالدور شاق لدرجة أن الساحر محمود عبد العزيز عد أنفاسه، ومشهد آخر لفت انتباهي وهو مشهد قيادة الشيخ حسني لدراجة. يركب الشيخ حسني دراجة وينطلق بالحارة وسط ذهول وخوف، والجميع بالحارة يركض حتى يصطدم وهو يصرخ «مش شايف عميت آه مش شايف»، يصنع محمود عبد العزيز بالمشهد السابق إرادة الحلم، كأنه يقول إرادة الإنسان أقوى من الحواس.

الفيلم العبقري الذي يترك فسحة أمل بعقل المشاهد، آخر مشهد بالفيلم يغني الشيخ حسني أغنية عن الأمل والحياة والتي يقول فيها:

«يالا بينا تعالوا نسيب اليوم بحاله

وكل واحد مننا يركب حصان خياله

دي إيه دي مصغبة علشان صبغ الجلود

ودي إيه دي مدبغة علشان دبغ الجلود

فيه جلد مالوهش لون وجلد بألف لون

وأهو كله بيتعمل جزمة وحزام وشنطة

سيبك من المدبغة وصياغة المصبغة

وبص وبص شوف شوف الناس والظروف

يمكن تلقى الدبابة لابسة فروة خروف

يمكن تلقى الغلابة في أول الصفوف».

الساحر محمود عبد العزيز يرقد على سرير الشفاء، ولا شك أنه يحمل بداخله عزيمة وحب الشيخ حسني للحياة، أدعو الله ان يشفيه ليعود إلى جمهوره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد