التاسع والعشرون من أغسطس (آب) هو اليوم الذي أعلنه المجلس الوطني موعدًا للانتخابات البرلمانية القادمة في إثيوبيا تنفيذًا لتعهد قطعته حكومة آبي أحمد على نفسها منذ اليوم الأول، لتأتي الانتخابات المزمعة في ظل سحب كثيفة تغطي أجواء الساحة السياسية مختزنة ميراثًا مثقلًا بحزازات الاحتقان العرقي والإثني.

عززت عدة عوامل تراكمت عبر التاريخ حالة الاحتقان والاحتراب الإثني غير المسبوق في بلد يضم أكثر من 80 قومية وإثنية، لم يعان من مثل تلك الحالة منذ نهاية حقبة نظام الدرق الشيوعي، من أهمها الأسس التي بنيت عليها الدولة الحديثة وما تبعها من الأنظمة المستحوذة على السلطة وتعاملها مع الهويات الإثنية الأخرى، وصولًا إلى عهد الائتلاف الحاكم السابق الذي رسخ لمفهوم الفيدرالية الإثنية عبر الدستور الحالي.

يمكن القول إن إثيوبيا الحديثة منذ تأسيسها على يد الإمبراطور منليك الثاني (1889 – 1913) وحتى اليوم تعاني تركيبتها اضطرابًا وصراعًا مزمنًا اتخذ أبعادًا إثنية ودينية وحتى أيديولوجية لتحديد هويتها من داخل أو خارج الهويات الإثنية المتزاحمة الأخرى. وكان محور السجال فيه التسليم بوجود الهويات الإثنية الأخرى، والاعتراف بحقها في إدارة شؤونها الذاتية.

كانت نتائج السعي المحموم لصبغ البلاد بهوية أو أيدولوجية معينة في العهدين الملكي والشيوعي، تفجر صراعات داخلية والدفع بمكونات الهوية الإثنية المختلفة إلى رفع السلاح والدخول في صراع مع الانظمة المتعاقبة حتى إٍسقاط «الدرق» في عام 1991 ودخول العاصمة أديس أبابا ائتلاف الجبهة الثورية الديموقراطية الذي كونته أربعة أحزاب إثنية هي: «جبهة تحرير تجراي»، «الحركة الديموقراطية لشعب الأمهرا»، «المنظمة الديموقراطية لشعب الأورومو»، «الحركة الديموقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا».

في عام 1995 واستجابة لمعالجة المشكلة الإثنية تم اعتماد الدستور الإثيوبي الذي رسخ لمفهوم النظام الفيدرالي الإثني المستوحى من التجربتين السوفيتية واليوغسلافية في إدارة القوميات والشعوب المختلفة، وأصبحت بموجبه إثيوبيا دولة فيدرالية ديموقراطية ذات سمة إثنية وفقًا لنظام حكم برلماني؛ مما حفز الوعي القومي لدى الإثنيات (وأبرز مثال على ذلك «الأورومو») من خلال إعادة الاعتبار لوضعهم الثقافي والاجتماعي وفتح المجال للمشاركة السياسية عبر أحزاب إثنية ومعالجة المشكلات الاقتصادية المتفاقمة التي كانت تعاني منها، في إطار خلق مقاربة تعالج المشكلة الإثنية وتحقق الاندماج الوطني، وهو مفهوم لا يختلف في بعض جوانبه كثيرًا اليوم عن فكرة «ميديمر» بالأمهرية، أو «التآزر» التي ينادي بها آبي أحمد.

ووضع الدستور تراتبية لجميع الإثنيات التي تجمعها خصائص ثقافية ولغوية مشتركة، بحسب الوزن السكاني والمساحة الجغرافية التي تحتلها، فهناك مفهوم «الأمة» والتي تعني الجماعة الإثنية الكبرى وأطلق اسمها على الأقاليم، مثل: «الأورومو»، و«الأمهرا»، و«التجراي»، ومفهوم «القوميات والشعوب» الأصغر نسبيًا، وتجتمع في إقليم واحد مثل: «بني شنغول جومز»، وجنوب شعوب إثيوبيا.

وعلى هذا الأساس تم إعادة ترسيم الأقاليم التي كانت إدارية وجغرافية الطابع سابقًا وتقسيمها إلى تسعة أقاليم فيدرالية إثنية، مع إعطاء العاصمة أديس أبابا، ومدينة دريداوا، وضعية إدارية خاصة، وبموجبه تم منح صلاحيات الإدارة الذاتية، وإقامة المجالس المحلية للأقاليم، واستخدام لغتها الخاصة، وتعزيز ثقافتها وتاريخها، والسماح للقوميات والشعوب الأصغر حجمًا بإقامة إدارة ذاتية لنفسها، أو المطالبة بمنحها وضعية الإقليم، كما أصبح عليه الحال مؤخرًا مع «شعب السيداما».

من الناحية الأخرى ظلت الأقاليم مرتبطة وفقًا للدستور بالتوجهات الوطنية والسياسات العامة التي تضعها الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، والتي تشمل أيضًا إدارة الموارد والأراضي والسيطرة على وسائل الإعلام والعوائد الضريبية، ومعتمدة عليها في المخصصات المالية التي تحددها وفق حاجياتها من التنمية.

وبقى حق تقرير المصير والانفصال من ضمن المواد التي أقرها الدستور كحل نهائي إذا لم تفلح صيغة التعايش في حل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرجوة.

على ضوء ما سبق، شكلت الهوية الإثنية محور الظواهر والديناميكية السياسية والاجتماعية في إثيوبيا طيلة العقود الماضية، وغلب على الأحزاب السياسية – سواء التي في السلطة أو المعارضة – التوجه الإثني مع وجود أحزاب سياسية وحدوية معارضة تطالب بتطبيق الفيدرالية الإقليمية انطلاقًا من الآثار السلبية التي ترتبت على تطبيق النظام الإثني ودوره في تآكل الهوية الوطنية.

تميز عهد ائتلاف الجبهة الثورية الديمقرطية الذي حكم إثيوبيا منذ مطلع التسعينات، وحتى استبداله بـ«حزب الازدهار» الجديد العام الماضي، بتقاطع تعقيدات اللعبة السياسية فيه مع المحاصصة الإثنية، وكان القوس المعلى فيه لجبهة تجراى التي كانت الفصيل الأكثر تنظيمًا وتسلحًا إبان حرب إسقاط نظام الدرق، واستطاعت من خلال هذا النظام الجديد التغلغل في مفاصل الدولة الأكثر حساسية والذي شمل الأجهزة الأمنية والعسكرية وأبرز القطاعات الاقتصادية.

استخدام العامل الإثني في اللعبة السياسية لم يسهم في إدارة راشدة للهويات ومعالجة المشكلات السياسية والاقتصادية المتعلقة بها، وإنما تسببت في خلق طبقة موالية للحزب الحاكم بغض النظر عن مدى تحسين أوضاع الجماعات الإثنية الأخرى وبالذات الكبرى منها.

وأبرز مثال على ذلك، سيطرة الجبهة الثورية ومن وراءها التجراي والأحزاب الإقليمية الموالية لها على المشهد السياسي، من خلال ضمان هيمنتها على البرلمان في جميع الدورات الانتخابية الخمسة الماضية، والمرة الوحيدة التي فازت فيها المعارضة بأكثر من ثلث الأصوات في عام 2005 انتهت بالصدام مع الحكومة، وحملة اعتقالات طالت الآلاف من أنصارها.

عمقت السياسات المتناقضة في تطبيق النموذج الفيدرالي الإثني خلال الفترة الماضي – بين السماح بالتعددية والتنوع وتقييد المشاركة السياسية والتوسع في السيطرة على الأراضي والتفاوت في التقسيم العادل للثروة ومستوى التنمية بين الأقاليم، إضافة إلى غياب معايير حرية التعبير والإعلام المستقل – من الهوة بين المكونات الإثنية الأخرى، وتراجع القبول بالاندماج القومي ما لم يحقق المشاركة العادلة سياسيًا واقتصاديًا في بناء الدولة وقيادتها.

ولعل من أبرز النتائج على الفشل في إدارة التنوع والازدحام الإثني الذي تعج به إثيوبيا تفجر الإحتجاجات منذ 2015 في أكبر القوميات – «الأورومو» و«الأمهرا» – حتى أجبرت الائتلاف في نهاية المطاف على الاستجابة، باستقالة رئيس الوزراء السابق هيلي ماريام دسالين وتولي آبي أحمد (من قومية «الأورومو») السلطة في أبريل (نيسان) 2018.

سياسة الإصلاحات التي اتبعها أبي أحمد وشملت جميع المؤسسات الحساسة في الدولة والسماح بعودة جميع الأحزاب والشخصيات المعارضة من المنفى، بعد إسقاطها من قائمة الإرهاب، وفتح المجال لوسائل إعلام كانت محظورة سابقًا للعمل من الداخل، لم تفلح في معالجة جذور الأزمة، بل أسهمت في تعميق الانقسام الداخلي سياسيًا بين تيارات إثنية ووحدوية وعودة الذاكرة التاريخية بكل مساوئها وانتشار خطاب الكراهية والتحريض بين المكونات الإثنية والدينية في المجتمع.

وتأسيسًا على ما سبق، فإنه يمكن القول إن ثلاثة تيارات سياسية ستتقاسم المشهد الانتخابي القادم في إثيوبيا، فمن ناحية هناك التيار الإثني بكل أطيافه ومجموعاته الإثنية (وخاصة في «التجراي، والأورومو، والأمهرا، وإقليم الصومال»)، والتيار الوحدوي ويتزعمه «حزب مواطنين إثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية»، وتيار «حزب الازدهار» الحاكم الذي تأسس باندماج ثلاثة من مكوناته «الأورومو، الأمهرا، جنوب إثيوبيا» باستثناء التجراي، ويحاول فيه تقديم مقاربة جديدة لا تستبعد أو تتجاوز التنوع الإثني، لكنها في نفس الوقت تنبذ التمييز على أساس العرق، وتعيد توجيه السياسة الإثنية نحو سياسة قومية أكثر مدنية بشكل يجعلها أقرب إلى التيار الوحدوي.

المقاربة التي يقدمها آبي أحمد من خلال رؤية حزبه وفلسفة «ميديمر» التي ينادي بها، ألبت عليه التيارات الإثنية، وخاصة في معقله بإقليم أوروميا، وهو ما يفسر المواجهات التي اندلعت مؤخرًا بين أنصار الازدهار والموالين لجبهة «تحرير أورومو»، و«حزب المؤتمر الفيدرالي الأورومي»، وهو ما سيشكل تحديًا حقيقيًا أمام مشروعه خلال الانتخابات المقبلة.

رصيد آبي أحمد من التغيير بدأ ينضب خلال الفترة الأخيرة والتأييد لمشروعه بدأ يتراجع، نتيجة ضعف إدارته في التعامل مع التدهور الذي يشهده الوضع الأمني بشكل مخيف وتفاقم التوترات العرقية والدينية، وهو ما قد يؤدي بحسب تقرير مجموعة الأزمات الدولية الأخير إلى تأجيل الانتخابات المقبلة في نهاية المطاف.

ختامًا، يبقى من الصعب التكهن بما ستفضي إليه نتائج الإنتخابات الإثيوبية في ظل التحولات المتسارعة، وما إذا كانت ستسهم في معالجة المعضلة الرئيسة التي تواجه إثيوبيا، وهي القدرة على احتواء هذا الكم من التناقضات والازدحام في الهويات وتحقيق الاندماج القومي في دولة مستقرة والحيلولة دون الانهيار والتفكك والوقوع في سيناريو البلقنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد