المتمارضون.. القنبلة الموقوتة!

مشهد متكرر يحدث في عيادات الأطباء، يدخل المريض ويشكو علّته للطبيب، يفحصه الطبيب، ربما يطلب له تحاليل وأشعات، ويعود المريض المتلهف ينتظر معرفة دائه الذي ألمّ به، وفي النهاية يبتسم الطبيب بهدوء يخالطه البرود ويقول لمريضه المتوجس: الحمد لله، ليس بك شيء!

هنا يغلي الدم في عروق المريض المتألم ويقول: كيف ذلك يا دكتور؟! إنني أشكو من كذا وكذا! هنا يصرّ الطبيب المعاند ويزداد استفزازه للمريض بأن يقول له: لا لا، أنت بخير ألا تحمد الله أننا لم نكتشف مرضًا خطيرًا؟! يخرج المريض من العيادة تائهًا ولا يدري هل يصدق نفسه أم يصدق الطبيب؟!

إياك أيها الطبيب أن تكون بطلًا لهذا المشهد الهزلي السابق؛ مريض يشتكي من ألمه فلا تقل له ليس بك مرض! فإن المريض لم يخرج من بيته ويهدر وقته وماله ليجيء إليك يدعي ما ليس عنده! إنه لم يأتك من بيته ليرى وجهك البسوم ويتبارك بمحيّاك البهيّ! إنه لا شك عنده مرض أقضّ مضجعه وأخرجه من بيته فلا ينبغي لك أيها الطبيب ألا تحترم شكواه وتتهم عقله مدعيًا بنزعتك الاستبدادية الاستعلائية أنك الطبيب وتعلم ما لا يعلم! فالنتيجة التي لا نتيجة سواها أن المريض سوف يتهمك في علمك ويندم أنه جاء لطبيب جهول مثلك وسيذهب لطبيب آخر يحترم شكواه ويلبّي له طلبه ويخرجه من حيرته.

آثرت أن أبدأ بتلك المقدمة المنطقية لأفاجئك الآن أيها القارئ بما هو ضد المنطق! وهو أنه هناك مرضى قد يأتون لعيادة الطبيب حقًا يشتكون وهم صحيحون سالمون ليس لديهم أي وجع ولا مرض! إنهم فئة المرضى المدّعين أو المتمارضين! ولكن لماذا يدعي الإنسان مرضًا ليس عنده؟ وإذا حدث ذلك فماذا يفعل الطبيب وكيف يكتشف هذا الوضع العجيب؟ تعالوا معي لنناقش هذا الأمر.

تأتيك طفلة في الثانية عشرة من عمرها معها جدتها، تشتكي الطفلة من ضعف نظرها، تؤكد لك الجدة أن البنت لم تعد ترى جيدًا وتشتكي ليل نهار، تضعها أيها الطبيب أمام لوحة العلامات فتزعم البنت أنها لا ترى الصفوف الثلاثة الأخيرة من اللوحة (6 / 18)، تحاول تجريب مقاس نظارة لها ولكن بلا فائدة، تجري لها كل الفحوصات المطلوبة فلا تجد شيئًا! تبدأ الجدةّ تتشكك في الأمر وتصرخ في وجهك أيها الطبيب: ما الوضع يا دكتور؟ لماذا لا ترى البنت؟ ماذا حدث لها؟! فلا تجد إجابة منطقية أيها الطبيب المسكين، تبدأ الطفلة في البكاء المثير للأعصاب وتصرخ: لا أرى يا جدتي! لا أرى! تزداد حيرتك وتضطر أمام عجزك أيها الطبيب أن تؤجل الحالة للأسبوع القادم لتجري محاولاتك مرة أخرى ولكن بلا جدوى! تكتب اسم قطرة للطفلة لتتناولها قبل أن تأتي إليك في المرة القادمة، تأتي الطفلة هذه المرة مع أبيها، لم تأت جدتها هذه المرة، ولم تتناول الطفلة القطرة! تتساءل عن السبب فلا تجد إجابة! تُجلس الطفلة أمام لوحة العلامات، فتحمر عينا الأب في غضب ويصرخ في ابنته: ركزي يا بنت نريد أن ننتهي سريعًا! بعد غضبة الأب المنفعلة تفجأ أيها الطبيب أن البنت ترى كل الصفوف (6/6)!، تُذهل أيها الطبيب ويذهل الأب كذلك وفي ظل انبهارك وحيرتك سيفاجئك الأب حين يفصح لك بأن أم البنت قد تشاجرت معه وتركت لهم البيت وتركت البنت وحيدة!

الآن اتضحت الصورة كاملة، اصطنعت الطفلة المتشيطنة أنها لا ترى حتى تجذب تعاطف أبيها وأسرتها وتشعرهم أنها في مصيبة كبيرة، فيضجّ البيت وتنتفض الأسرة وتعود الأم الهاربة إلى ابنتها العمياء المسكينة مرة أخرى! لقد تشاجر الأبوان وبحث كل منهما عن كبريائه وعزة نفسه إلى درجة إعلان الحرب ناسيًا كل منهما ابنته التي لا ذنب لها، فلا بد حينئذ من تمثيلية تحبكها البنت لتلفت لها الانتباه مرة أخرى، والنتيجة معاناة وحيرة طبيب لا ذنب له في كل هذه المشكلات سوى حظه العسر الذي رمى عليه تلك الطفلة المشئومة!

سيدخل عليك في المستشفى الحكومي قروي رثّ الثياب مغبرّ الوجه، يشكو أن عينه قد فقد نظرها منذ زمن طويل ويريد تقريرًا طبيًا بالحالة، ستكشف عليه أيها الطبيب التعيس فلن تجد شيئًا، ستتهم نفْسك وعِلْمك وخبرتك حين لن تصل إلى تشخيص واضح، ولكن قبل أن تصل إلى تلك المرحلة المظلمة عليك أن تتذكر أيها الطبيب سبب قدوم هذا الفلاح، إنه يريد تقريرًا طبيًا لتقديمه للحكومة ليحصل على معاش! المسألة يسيرة، يتمارض هذا الفلاح المتخابث ليحصل منك على تقرير لينال معاشًا زهيدًا بضع مئات من الجنيهات لا تسد الرمق! ولكنها بالنسبة إليه طوق النجاة وحبل الحياة! حينها لا تدري ما تفعل أيها الطبيب الطيِّب متحيرا بين شكوى لا تفسير لها وعين سليمة يدعي صاحبها العجز تحتاج تقريرًا مَرَضِيًا للفوز بجنيهات معدودة تنقذه من وحل الفقر المُدقع الذي يغرق فيه!

سيأتيك رجل غاضب مكفهرّ الوجه، اعتدى عليه آخرون وضربوه في عينه، سيشكو إليك أنه فقد بصره تمامًا في تلك العين، ستقوم بفحصه أيها الطبيب المغبون فستجد كدمة خفيفة على العين، لا شيء سوى ذلك، سائر عينه صحيحة معافاة ولكن اللئيم يدعي أنه فقد بصره ليحصل على تقرير طبي ليقاضي المعتدي وينتقم منه أشد انتقام! – ما زال المسكين يحسن الظن في عدالة القانون! – فتقف مذبذبًا أيها الطبيب لا تدري ما تكتب في هذا التقرير المزيّف؟!

إن أمثال الحالة الأولى – أعني حالة الطفلة – لم يلجؤوا للتمارض إلا بسبب التفكك الأسري والانهيار المجتمعي ولو أن الأسرة المسلمة قد بُنيت على أسس سليمة من الحب والود والتفاهم لما أجبروا طفلة صغيرة على الكذب واللؤم لتحصل على حقوقها الطفولية البريئة التي انتزعت منها انتزاعًا بلا جريرة منها.

أما أمثال الحالة الثانية – أعني القروي الفقير – فلم يلجؤوا للكذب والتحايل على الطبيب والحكومة إلا بسبب الفقر القاتل والظلم المجتمعي الصارخ الذي جعل أناسًا يسكنون القصور المنيفة وأسكن أناسًا آخرين أكواخًا متهالكة متداعية من الطين لا يجدون قوت يومهم ولا شِبْع عيالهم، ولو أن هذا المجتمع حُكم بالعدل والسويّة وأدى فيه الغني حق الفقير لما وصلنا لهذا الحال.

أما أمثال الحالة الثالثة – أعني المعتدى عليه – فلم يلجؤوا للزور والبهتان إلا لنقص الدين وخشية الله في نفوسهم ولو أنهم آمنوا من قلوبهم بأن شهادة الزور من أكبر الكبائر عند الله وعند رسوله ما تجرؤوا على ظلم من ظلمهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد