موضوع قد يبدو بسيطًا، تم تناوله بصورة من السخرية الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي حول صعوبة تواصل الرجل مع من يحب عن طريق استخدام الكلمات، في الحقيقة إنه أمر بالغ التعقيد من ناحية الدراسة والتحليل، خاصة في بداية علاقة الرجل مع أية امرأة يشعر تجاهها بأي مشاعر من الإعجاب، فسرعان ما يرتبك ويتصرف، بدون وعي مبتعدًا عن دائرة نظرها أو سمعها.

الأمر مرتبط منذ خلق الإنسان، فالانسان الأول بدأ بالصيد والالتقاط، إما منفردًا أو في جماعة، وفي كلتا الحالتين، لم يكن يستخدم الكلام كوسيلة للتواصل، فكان اعتماده الأول على الإشارة, وفي ذات الوقت بدأت المرأة بالكلام والتواصل مع غيرها؛ لتعلم كيفية صناعة الأشياء أو تدبير شئون من تعولهم، لحين عودة الرجل من رحلات الصيد الطويلة.

لذلك لم يُعَد الرجل فنان كلام من مراحله الأولى في الحياة، ففي دراسة علمية مفصلة أوردها «آلان وبربارة بيز» حول الفروق بين الرجل والمرأة بعنوان «معارك قيس وليلي» جاء أن كم المفردات التي تملكها طفلة عمرها ثلاث سنوات تعادل ضعف ما يملكه طفل في نفس عمرها، وأن نسبة وضوح كلمات الأنثى للآخرين، قد يصل إلى 100 % على عكس الرجل الذي قد يجتزئ الكثير من الكلمات أثناء حديثه.

وفي ذلك جاء أمر تشريحي لعقل كلٍّ منهما, الجزء الأيسر من المخ لدى الرجل مسئول عن اللغات، لكن لا يحتوي على جزء مخصص للكلام, بينما يحتوي عقل المرأة على جزء مخصص للكلام بفص مخها الأيسر، وعدة أماكن أخرى في الفص الأيمن, وبالتالي تستطيع المرأة أن تقوم بعدة أمور أثناء حديثها، دون أن يؤثر ذلك على قوة انتباه عقلها، وهذا أيضًا يجعل الرجل لا يستطيع مجاراة امرأة تتحدث.
ومن ناحية أكثر تخصصية، وجد أن الرجل لا يستخدم إلا ثلاث درجات لصوته من أصل خمسة تسطيع أن تستخدمها المرأة، وبالتالي هي أكثر قدرة تعبيرية عن الرجل عما تقوله.

و يعد عقل الرجل أكبر مشاكله وهمومه؛ فتقسيماته الاختصاصية والمنفصلة تولد لديه  شعورًا دائمًا بالحذر الاجتماعي، يجعله أكثر حرصًا في التعامل مع وسطه المحيط، على عكس المرأة التي تعد أكثر اجتماعية من الرجل.

على صعيد آخر الرجل لا يستطيع التحدث عن مشاكله كثيرًا؛ إذ يعمل عقله دائمًا على تقسيم المشكلة على أجزاء المخ الاختصاصية، في حين أن مخ المرأة لا يستطيع ذلك، فتعالج هذا دائما بكلام حول المشكلة، مع وسطها المحيط، حتى وإن كان لمجرد الكلام، وليس بحثًا عن حل أو استنتاج لأسباب المشكلة، فالمهم أن تخرج المشكلة من عقلها إلي حيز خارجي.

وهذا يعد توضيحًا علميًا مبسطًا عن آلية الكلام لدى كل من الرجل والمرأة، في ضوء دراسة علمية تعد الطريق للدخول إلى موضوع «سيكولوجيا الحب»، فالحب يجعل الرجل يفقد قدرة سماع عقله، وبالتالي يكون غير قادر على الوصول لصياغة منطقية للتعبير عما يدور في داخله, فيلجأ إلى العين، ولأننا في عالم يحكمه الكلام، لا تعد شهادة العين عما يدور في بال الرجل كافية لإيصال شعوره إلى تلك المرأة التي أفقدته صوابه، خاصة أن المرأة تكون في أقوى حالاتها الذهنية حين تشعر بأي مؤشرات عاطفية قادمة من وسطها المحيط.
فيقول «ابن حزم الأندلسي» في كتابه «طوق الحمامة»: «للحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي . فأولها إدمان النظر، والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، والمعبرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها. فترى الناظر لا يطرف ، ينتقل بتنقل المحبوب، وينزوي بانزوائه، ويميل حيث مال».

يكتب هنا أيضا ابن حزم بروح الرجل، لا يعتمد على الكلمات، فقط عينه، هي كل ما يستطيع أن يعبر به.
فحين تقرأ لـ«قيس» شعره وفصاحته، ليس إلا أن «ليلى» ليست أمامه، فهو يحدث السماء والصحراء، فلو تواجدت «ليلى» ما استطاع «قيس» أن ينطق في حضرتها بكلمة!

وغيره الكثير من الأمثلة لرجال عاشقين لم يجيدوا ويبرعوا في التعبير، إلا على الورق.
ومن جانب آخر صار المجتمع أكثر توحشًا ومادية تجاه المشاعر، خاصة في أوطاننا العربية، فلم يعد التعبير عن الحب أمرًا هينًا؛ ففيه دخول في أمور فقهية وأمور مادية، ومحاكمات دنيوية تقام لكل من يجهر بحبه، ونظرة مجتمعية مزدوجة مشوهة، والتي تُحب تعبيرات الحب أسفل برج «إيفل» وعلى «جسر الفنون»، لكنها ترفض أن يحدث أي تعبيرات له داخل «طوطميتها» المقدسة المصونة بكم من المحرمات لا قبل لعاشق بها، فهي لا تعرف كيف يكون الحب!

في النهاية لا تلوموا من لم يستطع الكلام أو التعبير؛ فدولنا أخذت منا القلوب والألسنة، و تركت لنا الفراغ والعبس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد