عندما يعنف رجل ما أحد أصدقائه نتيجة خلاف سياسي، أو عندما يكسر زجاج النافذة بسبب خسارة فريقه المفضل في كرة القدم، نقول إنه عصبي، لكن إن فعلت امرأة الأمر ذاته تصبح ممسوسة من الجن والعفاريت والكائنات الفضائية، وغير قادرة على اتخاذ قرارات منطقية، رغم أن العصبية والعاطفة ليس لها علاقة بالقدرات العقلية، بقدر ما هي مرتبطة بالتربية والظروف.

إن الأنثى وبسبب تكوينها البيولوجي، وبفعل انخفاض التيستوستيرون في جسمها الذي يعد مانحًا أساسيًّا للعدوانية، فهي أقل قوة عضلية من الرجل، لذلك فهي أقل استخدامًا للعنف، وأكثر حذرًا من الدخول في مغامرات خطرة. كما يمكن القول إن شعور الأمومة يجعلها أكثر حنانًا وأقل قسوة.

يظهر إذن أنّنا نخلط بين السلوكيات غير المتزنة (التي لا ترتبط بالجنس)، وبين العواطف (التي لا ترتبط به أيضًا).

أما بالنسبة لمفهوم العاطفة فوفقًا لعلم النفس: هي محاكمتنا الشعورية بالسلب أو الإيجاب تجاه أمر ما قبل إثباته بالأدلة والبراهين العقلية، أي إن العاطفة تسبق العقل دومًا لكن لا تلغيه. ويتجلى الحديث عن العاطفة قبل العقل من خلال شعورنا تجاه أمر ما، والذي يسبق محاكمتنا العقلية له سواء كنا ذكورًا أم إناثًا.

فنحن قد نشعر بالراحة تجاه شخص ما، أو بالنفور منه قبل أن يكون هنالك أداة تدعم شعورنا نحوه، لكن ذلك لا يوقف المحاكمة العقلية لدينا؛ فالعقل يحتاج إلى مبررات وأدلة ليطابق العاطفة بها أو يخالفها.

كأن تلتقي بشخص وينبئك حدسك العاطفي أنه ليس بالشخص الجيد، إلى أن تثبت لك الأيام والمواقف بأنه غير ذلك تماما؛ فيتغير حكمك العاطفي الأول بسبب وجود دليل عقلي على ذلك، والأمر بالتأكيد غير مرتبط بالجنس. لكن الذي يقع هو محاولة تربية الشاب على التحكم في انفعالاته.

أما الإنسان فهو كائن عاطفي بطبعه وذو حساسية ذكرًا كان أم أنثى، وذلك لا يُنقص من قدره ولا يُعليه أيضًا، والأمر مجرد تفاعل نفسي داخلي مع مكونات من البيئة الخارجية.

مع التنويه بأن العاطفة والتعبير عنها مُكتسب من المحيط والوسط الخارجي، فتعبير الإنسان وعواطفه تجاه أمر ما حتمًا لا ترتبط بالجنس بل تختلف باختلاف الوسط الذي ترعرع فيه والظروف المحيطة به بالأمر الذي يحاول تقييمه،ل لكن العبارات المكررة والمحاولات العديدة من أجل برمجة المرأة على أنها غير متوازنة، وذات عقل ناقص لكون عاطفتها تفيض عنها قد تجعل منها كذلك فعلًا، فهي في نهاية الأمر مثل نبتة تتشرب ما تسقيها به.

المرأة قادرة على حل مسائل رياضية عقلية والخوض في كل المجالات دون أن تؤثر «عاطفيتها المزعومة» في نتاجها الفكري.

وبلمحة حول الجامعات والمدارس يتبين أن ارتفاع مستوى التعليم عند الإناث أكثر من الذكور، وطبعًا لا نقصد هنا العكس، يعني لا نقصد أن قدراته العقلية أقل، لكن لأن الذكر بمجتمعاتنا غير مكبوح وصعب السيطرة عليه بفضل ذكورته المنقطعة النظير.

أما علميًّا فلا أظن أن هناك أي إثبات يقر بكون المرأة عاطفية والرجل عقلاني، بل التربية هي التي تجعل سلطة سمة عامة للإنسان.

يعني الأمر ليس فطريًّا بقدر ما هو مكتسب، إن مجرد ذكر كلمة امرأة كفيل بإثارة كل العواطف الحميمية لدينا، وقد نقول إنها ليست عاطفية فقط، بل هي نبع العواطف لمن حولها.

هي نبع الحنان لأولادها، والسكينة لزوجها، والسند لأخيها، والفرح والسرور لأبيها.

لكن ما ينبغي معرفته هو أن المحدد الرئيسي للإنسان، رجلًا كان أو امرأة، هو العواطف دومًا، وهذا ما قال به الفيلسوف والأديب دي أومانو في كتابه الشعور المأساوي بالحياة؛ فقد عرف الإنسان بالشعور «يقال إن الإنسان حيوان عاقل، ولا أعرف لم لا يقال هو حيوان عاطفي أو ذو حساسية، ولعل ما يميزه عن معظم الحيوانات هو الشعور أكثر ما يميزه العقل».

العاطفة إذن رقي في الإنسان وصفة نبيلة، بل هي مصدر كل إبداع خلاّق، ولا نبتغي أن ننكر هذه الصفة النبيلة عن المرأة بل يجب أن تفتخر بها كل أنثى، وكل ما ينبغي معرفته أنه لا يمكن أن تلغي العاطفة وظيفة القدرات العقلية.

ولا يمكن إلا أن نقول عمومًا، إنه لا يوجد أرقى من مشاعر أو عواطف تغطي واقع الأشياء بهالة نبيلة من الحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد