ما الذي يتبادر إلى ذهنك عندما أخبرك عن موزة ملصقة على الحائط بيعت في معرض «آرت بازل» في فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية بمبلغ 120 ألف دولار على أنها إحدى الأعمال الفنية سنة 2020.

وما هو قولك إذا في ظهر السويسري تيم شتاينر، الذي حوله الفنان البلجيكي المعاصر، ويليام ديلفوي، إلى عمل فني حي، يُعرض نصف عارٍ حول العالم ما بين 2006 و2016.

العالم المعاصر هو عالم سائل بامتياز، حيث ذابت فيه كل الثوابت والركائز التي قامت عليها التمثلات القديمة وحتى القريبة لفهمنا للعالم وتصورنا لإمكانات العيش فيه.

الفن هو ترنيمة من ترنيمات الحياة وإحدى أهم تعبيرات الإنسان منذ القدم، ولو كان هناك حاجز يفصل ماقبل ومابعد لكان القرن العشرين هو الفاصل الرئيس متبين الفن في السابق والفن المعاصر.

سنة 1917 عرض الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب قطعة من الخزف المزجج اتضح لاحقًا أنها مِبولته، على أنها عمل فني في معرض جمعية الفنانين المستقلين في نيويورك.

الرجل الذي باع ظهره، المرشح على القائمة القصيرة للأوسكار كأفضل فيلم أجنبي هذا العام، هو عنوان الفيلم الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية، سنة 2020 ويحكي الفيلم قصة مهاجر سوري أراد الالتحاق بحبيبته في إحدى الدول الأوروبية، لكنه عجز عن ذلك لظروفه المادية، ليعرض عليه رسام أمريكي استغلال ظهره لتصوير لوحاته.

يطرح الفيلم قضية اللجوء ومآسيها بطريقة استثنائية، أو على الأقل مغايرة لما هو معتاد في الساحة الثقافية العربية، و يبرز هناك التركيز الذي أولته المخرجة للرمزيات الحضارية والجمالية وحتى السياسية في عملها. أصبح اللاجئ العربي فكرة، أنموذجًا، لقد صار عملًا فنيًا، في إحدى الحوارات داخل الفيلم يوجه الفنان التشكيلي جيفري (شخصية) خطابه نحو اللاجئ السوري (البطل) قائلًا: «سنحول هذا الإنسان الذي لا يحق له السفر إلى سلعة، لأننا في العالم الذي نعيش فيه السلعة أكثر حرية من الإنسان».

يمكن القول دون مبالغة أن الفيلم، ترجمة من ترجمات المأساة السورية التي بدأت منذ عقد من الزمن. سوريا التي نهشت الحرب كل مدنها وأريافها، خرج منها ما يزيد عن السبعة ملايين لاجئ موزعين بين تركيا، وأوروبا، ولبنان، والأردن.

الفلم عبارة عن تجسيد لحرب الرمزيات التي صارت محرك الأنسان في الزمن الحالي، الرمزيات القاتلة والتي تدفع بشابة سورية لاجئة في لبنان بالزواج من دبلوماسي سوري مقيم في بلجيكا بهدف ضمان مستقبل أكثر ثباتًا ووضوحًا.

الرجل الذي باع ظهره هو التعبير الذكوري عن المراة التي باعت حاضرها لأجل مستقبلها وعن الدولة التي باعت شعبها لأجل نظام حكمها، هو تعبير عن الحاكم الذي باع وطنه وعن العسكري الذي باع ذمته.

فلماذا إذًا الاستغراب من الرجل الذي باع ظهره؟

الفيلم من إخراج تونسي، بطولة سوري وبمشاركة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، وهو أول عمل عربي يترشح للقائمة القصيرة لجائزة الأوسكار. وبالمناسبة فإن كفر ناحوم لنادين لبكي هو أيضًا قد ترشح لجائزة الأوسكار عن جائزة أفضل فيلم أجنبي وفيه تسرد المخرجة قضية الأطفال المهمشين والمحرومين من أوراق تثبت هويتهم في لبنان عبر قصة طفل الشارع «زين» البالغ 12 عامًا الذي يقاضي والديه لأنهما أنجباه.

لعل ترجمة المأساة العربية على اختلاف أشكالها، هي المدخل الوحيد للسينما العربية لبلوغ المراتب الأولى في كبرى المسابقات العالمية. في مقطع آخر من الفيلم يقول جيفري بعنجهية أوروبية متغذية من تصورات ما بعد حداثية مهينة للإنسان بما هو كائن أن «الشخص الأفغاني أو الفلسطيني أو السوري هو شخص غير مرغوب فيه، لكن بتحويله إلى تابلوه للرسم، أو بمعنى آخر إلى سلعة… يمكن أن يسترجع حريته وإنسانيته».

جيفري هو الإنسان الأوروبي الذي عجزت إنسانيته التي كتبها في مدونته القانونية ودساتيره القديمة والحديثة، عن إدراك معنى أن للإنسان قيمة رمزية، لا تسويقية/سوقية، أن للبشر صوت، يسمع بالوجدان لا بالحواس، هو صوت العقل وصوت الضمير.

الرجل الذي باع ظهره، في إحدى جوانبه، هو كوميديا سوداء ممزوجة بتوجهات فنية معاصرة تهدف للنزوع نحو أفكار مغايرة وغريبة أحيانًا في تناول القضايا والمسائل الاجتماعية وهو ما نجحت في تجسيده مخرجة العمل.

حيث امتزجت المأساة السورية بالبراغماتية الغربية الأوروبية ملتفة حول تصورات جديدة للفن قد تبدو للوهلة الأولى ضربا من الجنون، لكن أليس شعار فيزا الشنغن المنحوت على ظهر وسام أكبر حلم يراود الإنسان العربي منذ أولى مراحل إدراكه لواقعه الصعب؟

الهجرة إلى أوروبا، هي كما جاء في عنوان كتاب للفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، هجرة إلى الإنسانية في جانب كبير منها.

لكن هل حريّ بنا بيع إنسانيتنا في النصف الجنوبي من المتوسط لنيلها مجددًا في جزئه الشمالي؟ ألهذا الحدّ تجسدت الرؤى الفلسفية لزيجمونت باومان الذي يعتبر عصرنا الحالي عصر الإنسانية الهشة، السائلة، دون منازع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد