«الحق أنه ليس بالقاهرة مبنى أظرف من هذا المستشفى ولا أوقاف أثبت من أوقافه، إنه لمستشفى منبع الشفاء، فيه رجال الفن غير الأطباء وموسيقيون ومغنون يمتعون المرضى والمجاذيب بالأغاني والأنغام الشجية، مستشفى فريد عديم النظر في المسكون ودار خيرات تفوق كل وصف» (1)، كانت هذه الجملة التي يحمل صاحبها آثار الدهشة والتعجب من نصيب مشفى المنصور قلاوون (أشهر سلاطين دولة المماليك في مصر)، أو كما يطلق عليه البيمارستان المنصوري.

ولكن الأكثر إدهاشًا أن هذا الوصف كان للبيمارستان المنصوري في آخر القرن الـ17م عند زيارة الرحالة الأناضولي «أوليا جلبي» لمصر في العهد العثماني، وهو عصر كان يتم وصفه دائمًا بالظلامية والجهل والتخلف، فهل للتاريخ رأي آخر غير الرأي السائد الذي يظنه الكثير عن العهد العثماني؟، هذا ما سنحاول البحث عنه في هذه المقالة إن شاء الله، وسنركز في هذه المقالة على البيمارستان المنصوري لأنه أكثر مشفى كان يتسم بالشهرة في ذلك العصر في مصر.

وصف البيمارستان المنصوري

كان البيمارستان المنصوري بمثابة جامعة لتدريس الطب آنذاك إلى جانب كونه مؤسسة علاجية (2)، وكان من الممكن أن يسع البيمارستان المنصوري لعدد من المرضى يتجاوز المائة موزعة على أربعة أواوين وخمس قاعات، فقد كان به عام 1005 هجرية / 1596 م (106) مريضًا، منهم 13 بقسم الرمد، 5 بقسم الجراحة، 74 بقسم النساء، 14 بباقي الأقسام. (3)

وكان البيمارستان المنصوري به عدة أقسام، فقد وُجد في العصر العثماني ما نسميه الآن بالطبيب الممارس العام، كما وجدت التخصصات المعروفة الآن كتخصص العيون والأنف والأذن والحنجرة والأسنان والباطنة والصدر والمسالك البولية والنساء والتوليد فضلاً عن التخصص في الجراحة الذي جذب الكثيرين. (4)

براعة الأطباء في البيمارستان المنصوري

كان الأطباء في مصر في ذلك الوقت مهرة على عكس النظرة السلبية التي نسمعها كثيرًا، فيتحدث الرحالة الأناضولي أوليا جلبي في نهاية القرن ال_17م عن براعة الأطباء وتمكنهم فيقول «وإذا قدم إلى مستشفى قلاوون مريض مضى عليه 3 أعوام أفاق في 40 يومًا بإذن الله وانقلب لون وجهه الشاحب ورديًا، لأن فيه حكماء كبقراط وسقراط وأفلاطون وفيثاغورث والتوحيدي وأبي علي بن سينا، كل منهم حكيم كالمسيح يحيي الموتی». (5)

ويتحدث عن البراعة القوية للأطباء العرب وعن نظرة تاريخية أسطورية للطب في تنقلاته بين البلدان، ثم يقول «ثم وصل حكماء (أي أطباء) اليونان والفرنج إلی دقائق علم الطب فاشتهروا، ولكنهم لا يزالون محتاجون إلی حكماء العرب (أي أطباء العرب)، لأن العربي إن عُني بالمريض قلبًا وروحًا متمسكًا بالزهد والتقوی وقوة العلم شُفي بإذن الله، ولا سيما حكماء مستشفی قلاوون فإنهم جميعًا من أكمل الأساتذة ومهرة الفصادين، فلا يجس أحدهم نبض مريض ويصف له الدواء الموافق لمزاجه حتی يُشفی بإذن الله». (6)

ويذكر أوليا جلبي مهارة كبير أطباء البيمارستان المنصوري فيقول عنه أن «كبير أطباء المستشفی كان من كُمل الأساتذة».(7)

ومن الجدير بالذكر أن الرحالة أوليا جلبي الذي استمر في التنقل بين البلدان لمدة 44 عامًا، كانت مصر من المحطات الأخيرة لرحلاته التي طاف فيها بلدان في آسيا وأوروبا وأفريقيا، أي عند وصفه إيجابيًا لمستوى الأطباء في مصر في ذلك الوقت، كان ذلك أيضًا مقارنة بالكثير من البلدان التي زارها، مما يوضح أن مستوى الطب في مصر في ذلك الوقت لم يكن متخلفًا كما تدعي الكثير من التيارات التاريخية.

جودة المعاملة لمرضى البيمارستان المنصوري

«كان المرضى في مستشفى قلاوون ينامون تحت ألحفة حريرية، وإذا ما قارب بعض المرضى الإفاقة، سمح لهم بالاستحمام على حافة المياه الجارية الموجودة بالمشفى وحولهم الممرضون يخدمونهم كأنهم فراش حول الشمع، ويتولى الأطباء الإشراف بأنفسهم على طعام المرضى فيحضرون لكل مريض ما يناسبه من الطعام والدواء»(8)، كانت هذه الكلمات الوصفية الممزوجة بالإعجاب من نصيب الرحالة التركي أوليا جلبي. (القرن 17م)

ولم يكن الثناء على البيمارستان المنصوري من نصيب الرحالة الأناضولي فقط، ففي نهاية القرن الـ18م مدح الرحالة الدنماركي الألماني نيبور البيمارستان المنصوري فقال إن «البيمارستان كان يقوم بكل ما يحتاج إليه المريض لم يغفلوا منه شيئًا حتی الموسيقى التي كان المرضى قد حرموا منها لفترة طويلة أعاد لهم عبد الرحمن كتخدا (تُوفي 1776م) هذه النعمة».(9)

ويبدو أن الثناء لم يكن أيضًا من نصيب وصف الرحلات فقط، فكان للوثائق دور في وصفها للواقع التاريخي، فتقول د.هدى جابر في كتابها (البشر والحجر: القاهرة في القرن السادس عشر) عن البيمارستان المنصوري في القرن ال16م مستعينة بالوثائق كما يلي:–

أ – وجد بالبيمارستان ما يشبه الأمانات حيث يقوم المريض بوضع متعلقاته بها وحين خروجه يتسلمها.

ب – كان نزلاء البيمارستان يحصلون على العلاج والطعام مجانًا.

ج – بالإضافة إلى قدر من الرعاية حظي بها هؤلاء المرضى، وُجد بالبيمارستان هيكلاً يقوم بتمريض نزلاء البيمارستان وخدمتهم.

د – وكان من مهمة هيكل التمريض أيضًا العناية بالمرضی ونظافتهم الشخصية من حلاقة رؤوسهم وغسل ملابسهم حتى تغسيل موتاهم، وهو نظام أشبه بما يقوم به ممرضو زماننا. (10)

وبالإضافة إلى الاهتمام المادي، كان هناك اهتمام نفسي، فكان للخطيب دورًا هامًا في البيمارستان في تهدئة نفوس المرضى بذكر الله وقدرته علی الشفاء فتحيا روح الأمل فيهم، وإمامة من يستطيع الصلاة من المسلمين القادرين علی الحركة وأداء الصلاة. (11)

وكذلك كان للموسيقى دور في علاج المرضى لتحسين نفسيتهم، فعند ذكر الرحالة أوليا جلبي (القرن ال17م) لمحاسن البيمارستان المنصوري، يقول «فيه رجال الفن غير الأطباء وموسيقيون ومغنون يمتعون المرضي والمجاذيب بالأغاني والأنغام الشجية» (12)، وتقول د.ماجدة مخلوف أستاذة الدراسات التركية بجامعة عين شمس أن هذا الأسلوب كان متبعًا في مستشفی السلطان بايزيد الثاني في أدرنة حيث كان المرضی يعالجون بالموسيقا وأنواع الزهور والطعام. (13)

الرقابة الإدارية والمالية على البيمارستان المنصوري

لم يكن البيمارستان المنصوري يسير بغير نظام ولا ترتيب بل كانت أعماله تخضع لإشراف الشاهد ووظيفته ذات مهام رقابية بحيث يكون رقيبًا علی أحوال البيمارستان وأطبائه وموظفيه ويشهد علی سير العمل علی النهج السديد، فقد تقرر إبقاء الشيخ عبد الله البكري الأشعري الصديقي في شهادة الإدارة بوقف البيمارستان المنصوري إبقاءً له في ذلك علی جاري عادته وذلك بناءً علي التقرير الصادر في هذا الأمر من قبل مصطفی أفندي القاضي بمصر المحروسة.

والبيمارستان كغيره من الأوقاف الكبرى كان بحاجة إلی موظفين ذوي اختصاصات مالية للإشراف علی حساباته وماليته لذلك عُين زين عبد المعطي بن شهاب الدين في وظيفة الجباية. (14)

صناعة الدواء في البيمارستان المنصوري

«فلا يجس أحدهم نبض مريض ويصف له الدواء الموافق لمزاجه حتی يُشفى بإذن الله، وذلك لأن في بلاد الإقليم الأول بالصعيد والواحات والحبش وبلاد الفُنج وجبل القمر أنواعًا من النبات والأعشاب والحيوان لا يوجد في الهند أمثالها، فترد تلك العقاقير إلی القاهرة فيستعملها الحكماء في علاج المرضی فيُشفون، فلهذا اشتهر مستشفی قلاوون في بلاد الترك والعرب والعجم». (15)

كانت هذه كلمات أوليا جلبي عن شهرة صناعة الدواء في مصر في القرن الـ17 أثناء العهد العثماني التقليدي، وهذه الكلمات لا تدل فقط علی شهرة صناعة الأدوية المصرية في العالم في ذلك الوقت، بل أيضًا الشبكة اللوجيستية لنقل المواد الخام لصناعة الأدوية في مصر في ذلك الوقت.

و لم ينسَ أوليا جلبي ذكر «الترياق الفاروقي» أشهر دواء في مصر في ذلك الوقت، فيقول عن صناعته «ليكن معلومًا للرحالين العلماء أن ما دام علی ظهر الأرض حكماء فهم يصنعون ترياق الفاروق في كل البلدان، ولكن لا يمكن أن يكون ترياقهم كترياق الفاروق المصنوع بمصر، فإن قرص الفاروق خاص بمصر لوحدها» (16)، مما يدل علی تفرد مصر بصناعة الأدوية عامة وصناعة الترياق الفاروقي خاصة المتميز في سوق الأدوية عالميًا، وكان الترياق الفاروقي يُصدر إلى الدول الأخرى، فيقول أوليا جلبي أن «الترياق الفاروقي يصدر من مصر إلی بلاد الترك (الروم) والعرب والعجم والإفرنج وسائر البلاد». (17)

إذا وضعنا في الاعتبار مركز مصر في صناعة الدواء فعلی هذا الأساس يمكن تفسير إرسال السلطان العثماني للحكيم البندقي «بودغاكي مراكي» الذي يعالج الخاصة في إسطنبول إلی مصر والإسكندرية علی وجه الخصوص «لأجل تشهيل مواد لازمة له في الطب والحكمة»(18)، وكان ذلك كما تدل الوثائق في عام 1792م .

ومن الجدير بالذكر، أن هناك أطباء في مصر في ذلك الوقت كان لهم مهارة في فنون وعلوم الأدوية سواء من ناحية تطبيقها على المرضى أو صناعتها.

فقد أشار الطبيب «داود الأنطاكي» إلی ضرورة معرفة الطبيب بصناعة الدواء وحتي يصبح طبيبًا كاملاً علی حد قوله لابد له من معرفة هذه الصناعة، واحتوت مؤلفات الأنطاكي علی العديد من الأدوية فقد حوت تذكرة أولي الألباب «تذكرة داود» العديد من الأدوية النباتية والحيوانية والمعدنية بلغت أكثر من 1700 دواء، إلا أن (بعضها) غير مقبول من الوجهة الطبية في العصر الحديث الحالي.

كما ذكر الطبيب «بدر الدين القوصوني» في مؤلفه «الدرة المنتخبة فيما صح من الأدوية المجربة» العديد من الأدوية فهو لم يترك جزءًا من الجسم إلا ووضع له دواء، فوضع أدوية في أمراض العيون وخاصة الرمد وأدوية للأنف والفم والشفتين والأسنان واللسان والأذن والرأس والشعر والحلق والصدر والقلب والثدي والمعدة والكبد وضعف الأمعاء.

وأفرد أيضًا الطبيب «مدين عبد الرحمن القوصوني» مؤلفًا خاصًا بالأدوية وهو «قاموس الأطباء وناموس الألباء في المفردات» ذكر فيه أنواع المفردات المعدنية والحيوانية والنباتية ورتبه علی حروف المعجم، ولشدة الارتباط بين الطبيب والدواء تسمت بعض الأدوية بأسماء الأطباء مثل دواء (ابن رضوان ودواء ابن سينا ودواء المجوسي)، وتنوعت العقاقير ما بين ترياقات (مضادات السموم) ومعاجين وأقراص وأدهان (مراهم) وحقن. (19)

و كان هناك وعي مهني بالدقة في صناعة الأدوية المختلفة وآثارها الجانبية، فقد أوردت المخطوطات الطبية بعض المعايير مثل أوقية، ومثقال، وكذلك بعض المكاييل التي تحدد بعدد الدراهم وتوضح هذه المعايير والمكاييل مدی الدقة في إعطاء المريض الجرعة المطلوبة من النبات حتی لا يضار من الزيادة والنقصان وقد عُني الأطباء بذلك لأهمية هذا الأمر وخطورته بالنسبة لعلم الصيدلة (ومن الأمثلة علی هذا الاهتمام كتابات شهاب الدين القليوبي وبدر الدين محمد القوصوني).

كما تشير بعض المصادر الطبية مثل «تذكرة أولي الألباب» المعروفة بتذكرة داود إلی الآثار الجانبية لبعض العقاقير، فقد ذكر داود الأنطاكي الآثار الجانبية لأقراص الملك وتتمثل في أنه يكرب ويرخي الأعصاب ويحدث الكسل والفتور. (20)

ويلاحظ مدى غلبة المكونات الطبيعية في مكونات الأدوية بأنواعها المختلفة، ولا بد أن نضع في الحسبان أن هذه الأدوية كانت مناسبة لذلك العصر نسبيًا ( أي مقارنة بما هو موجود في هذا الوقت )

الخاتمة

في النهاية يبدو أن البيمارستان المنصوري في مصر في العهد العثماني قبل الاحتلال الفرنسي كان في حالة ليست فقط عادية، بل كان في حالة متميزة، فلم تقف مرحلة العطاء في نهاية العصر المملوكي كما تدعي بعض الآراء التاريخية، بل استمر على تميزه حتى نهاية القرن الـ18م حينما وصلت الدولة العثمانية والولايات التابعة لها ومنها مصر لحالة ضعف شديدة مثلها مثل أي دولة يكون لها مراحل قوة وضعف.

فكان أطباء البيمارستان مهرة، وكان التعامل مع المرضى يتم بطريقة إنسانية ومنظمة، وكذلك كان هناك رقابة إدارية ومالية على الأداء المنوط به، وكان البيمارستان المنصوري أيضًا في ذلك الوقت مؤسسة لها أثر مهم في صناعة الأدوية وليس فقط محليًا بل وخارج مصر أيضًا.

المصادر: –

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر، ص 360
2)) هدى جابر: البشر والحجر القاهرة في القرن السادس عشر، ص106
(3) هدى جابر: البشر والحجر القاهرة في القرن السادس عشر، ص106
(4) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني، رسالة ماجيستير لعام 2005، ص60
(5) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر، ص 347
(6) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر، ص 348
(7) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر، ص 358
(8) ماجدة مخلوف: رؤية حضارية من خلال رحلة أوليا جلبي: ص18 / وأوليا جلبي: سياحتنامة مصر، ص 347
(9) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير 2005، ص113
(10) هدى جابر: البشر والحجر القاهرة في القرن السادس عشر، ص106
(11) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير 2005، ص113
(12) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر، ص 360
(13) ماجدة مخلوف: رؤية حضارية من خلال رحلة أوليا جلبي، ص18
(14) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير لعام 2005، ص114
(15) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر: ص 348
(16) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر: ص 348
(17) أوليا جلبي: سياحتنامة مصر: ص358
(18) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير لعام 2005، ص47
(19) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة مامجيستير لعام 2005، ص33 و32
(20) نهى سعيد يوسف زكي: الطب في مصر في العصر العثماني رسالة ماجيستير لعام 2005، ص45
عرض التعليقات
تحميل المزيد