إن أي شخص يريد أن يصنع شيئًا ما، يبدأ أولًا في التفكير العقلي في مادة الصنعة، وماهيتها، والمواد المصَنِعة، ثم يضع خطة على الورق، يرسم عليها شكل الصنعة، ومم تتألف، ومم تتكون، وكيف يمكن صُنعها، ثم كيف يمكن تشغيلها، واستخدامها.

وبعد تفكير وبحث مضنٍ، قد يستغرق أشهرًا أو سنوات، وبعد تجارب عديدة على مدى صلاحية تشغيلها، وسلامة سيرها، والتأكد من عدم وجود أي خطر على تشغيلها، يبدأ طرحها في الأسواق للبيع.

وخلال هذه الفترة الطويلة، من بداية التفكير إلى التخطيط، وإلى إحضار المواد المصنعة، وإلى التجارب النظرية ثم العملية في المختبر، ثم الميدانية على أرض الواقع، يكون الصانع قد اختزن في عقله أسرارًا عن صنعته، لا يستطيع أي مخلوق آخر على وجه الأرض، أن يُلم بها، أو أن يعرفها.

كما لا يستطيع أن يعرف التعامل معها، وكيفية تشغيلها، وكيفية صيانتها والمحافظة عليها، إلا الصانع نفسه، حتى ولو كان الشخص أستاذًا جامعيًّا في تدريس علوم هذه الصنعة، فإنه لا يعلم، كما يعلم الصانع!

والنتيجة التي نريد أن نستخلصها من هذه المقدمة العقلانية العلمية المنطقية، هي أن الصانع هو الشخص الوحيد والأوحد في الدنيا، الذي يملك أسرار صنعته، وهو الذي يعطي هذه الأسرار للآخرين وعن طريقه فقط، يستطيع الآخرون أن يتلقوا منه التعليمات الصحيحة، لتشغيل الصنعة؛ والمحافظة عليها، ولا يوجد شخص آخر يملك هذه الأسرار، ليقدمها للآخرين، للتعامل مع الصنعة الجديدة.

ولذلك نجد – على سبيل المثال – أن مصنع السيارات، يطلب من التجار الذين يودون شراء صنعته، تأسيس وكالة للبيع والصيانة، وهذه الوكالة حينما تبيع السيارة، تزود المشتري، بكتاب تعليمات تفصيلية ودقيقة جدًّا عن أجزاء السيارة، وعن كيفية التعامل معها؛ وعن الطريقة المسموح له استخدامها؛ وعن الطريقة المحظور عليه استخدامها، كما وتطلب من المشتري – للحصول على الضمان – زيارة الوكالة دوريًّا، لفحص السيارة، وتقديم جميع الخدمات المطلوبة، للمحافظة على عمل السيارة، بشكل مستمر، وتخبره بأن الضمان سيتوقف، حالما جرى فحص السيارة، وجرت صيانتها في مكان آخر، غير مكان الوكالة.

وهذه الوكالة، لا تقدم هذه الخدمات، إلا بناء على تعليمات الصانع التي زودهم بها، وتنفذها بدقة بالغة، وبحذافيرها بالكمال والتمام، دون أي زيادة أو نقص.

هذا ما يجري تطبيقه بالنسبة للصانع البشري، والصنعة البشرية، التي يعتورها النقص والخطأ، والجهل والحاجة الماسة المستمرة إلى التحسين، والتطوير.

علاوة على أن الصانع البشري سيموت ويفنى، وتذهب معه كل أسرار الصنعة، مهما حاول أن ينقلها إلى الآخرين، فإنه ستبقى ثمة أسرار، لم يتمكن من البوح بها، أو نقلها إلى الآخرين.

لنأتي الآن إلى الصانع الرباني، الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما من كائنات – ما عدا الإنسان – بكلمة كن فيكون.

وقد كان الله قادرًا على أن يخلق الإنسان بنطريقة خلق الكون نفسها، وما فيه من أحياء، بكلمة كن فيكون، ولكن تقديرًا من الله الجليل العظيم للإنسان ولمكانته السامية، ودوره العظيم في هذه الحياة، واعتباره أنه خليفة له في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِل فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَة﴾ البقرة 30، ولخلقه الكون وما فيه من آيات، ليكون خادماً للإنسان، يستخدمه كيفما يشاء.

فإنه قد خلقه على عدة مراحل – من باب الاهتمام بشأنه – ثم نفخ فيه من روحه، وخلقه في أحسن تقويم، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ فِیۤ أَحۡسَنِ تَقۡوِیم﴾ التين 4.

مراحل خلق الإنسان

فقد بدأ خلقه من التراب أولًا: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَاب﴾ فاطر 11. ثم ثانيًا: حوله إلى طين ﴿هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن طِین﴾ الأنعام 2، ثم ثالثًا: تركه حتى أصبح صلصالًا كالفخار ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن صَلۡصَـٰل كَٱلۡفَخَّارِ﴾ الرحمن 14. وبعدها في المرحلة الأخيرة، نفخ الله تعالى فيه من روحه، وحوله إلى بشر سوي، في أحسن تقويم، وأمر الملائكة بالسجود له، تكريمًا له، وتشريفًا وتعظيمًا ﴿ فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِینَ﴾ الحجر 29.

وبعد أن تشكل هذا الإنسان الأولي الجديد، وسماه الله آدم، وخلق منه زوجه ليسكن إليها، بدأ الإنسان التالي يتشكل من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ﴿ثمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَة فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَة فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَـٰما فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَـٰمَ لَحۡما ثُمَّ أَنشَأۡنَـٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَـٰلِقِینَ﴾ المؤمنون 14.

ماذا غُرس في جسم آدم بعد نفخ الروح فيه؟

وقد أودع الله تعالى في الإنسان، كل المشاعر والعواطف، والأحاسيس والغرائز، والتمنيات والأمنيات، والأحلام والتطلعات إلى الأحسن والأفضل، والأفكار، وكل ما يحتاجه لعمران الأرض، وبنائها وكيفية بنائها على الطريقة الصحيحة.

فهذه الصنعة الربانية للمخلوق البشري، التي لا يملك أسرارها إلا الله وحده، ولا يعلم ما تحتاجه هذه الصنعة البديعة الرائعة، والفريدة من نوعها (المخلوق البشري)، من حاجيات ومتطلبات، للمحافظة عليها سليمة من الأذى، ومصانة من العطب، لكي تبقى في حلة قشيبة، جميلة، ولتظل آمنة من التحطم والهلاك، ولتنعم بالحياة الرغيدة الرضية السعيدة، الخالية من الشقاء والبؤس، والتعاسة، ومن نكد العيش، ومنغصات الحياة، ولأوائها وأكدارها، إلا الله تعالى.

لأنه لا يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وما يتمناه وما يحلم به، وما يطلبه، إلا الله سبحانه ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَیۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِیدِ﴾ ق 16. حتى إن الزوجين اللذين ينامان في فراش واحد، لا يعلم أحدهما ما في نفس الآخر، وما يفكر به، وما يحلم به.

حدود علم الصانع البشري

الصانع البشري يصنع صنعته ثم يبيعها. وبعد ذلك، لا يدري عما يحدث لها، من خراب أو تلف، أو تبديل لبعض أجزائها، أو تغيير لشكلها.

كل الذي يعرفه، أنه أعطى تعليماته لوكلائه، لكي يقدموا لها خدمات الصيانة، والمحافظة عليها أطول فترة ممكنة.

وفي أحسن الصناعات، وأمهر الصنَّاع، لا يزيد العمر الافتراضي للصنعة عن 10 سنوات أو 15 سنة!

لا حدود لعلم الصانع الرباني الذي يعلم السر وأخفى

بينما الصانع الرباني، فإنه يعلم منذ اللحظة الأولى لتلقيح النطفة للبويضة في الرحم، فإنه يتابع ما يطرأ عليها، من تطورات في الرحم، لكل امرأة حامل على وجه الأرض طوال تسعة أشهر ﴿وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡأَرۡحَامِۖ ُُۢۢ﴾ لقمان 34. ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ الرعد 8.

ثم يتابع هذه الصنعة البديعة، حتى لحظة خروجها، فيتلطف بها، ويسهل خروجها من الأرحام، بأمان وسلام ﴿ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡ‍ٔٗاۚ﴾ الحج 5.

ثم يستمر في متابعتها، فيعلم ما يحصل لها ثانية بثانية، طوال أربع وعشرين ساعة، وكل ذلك بقدرته، وفضله، لا يغفل عنها، ولا يسهو عنها، ولا ينام، ولا ينساها، يدبر شؤونها لحظة بلحظة، ويسمع ما تحدث به نفسها، ويعطيها كل مقومات الحياة، لتبقى حية، إلى أن يحين أجلها المقدر في اللوح المحفوظ ﴿مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا یَسۡتَـٔۡخِرُونَ﴾ الحجر 5.

مقارنة بين الصانع البشري والصانع الرباني

1- إمكانيات الصانع البشري محدودة، وقليلة، وهزيلة، وضعيفة، بينما إمكانيات الصانع الرباني، واسعة ومطلقة، ولا حدود لها.

2- علم الصانع البشري محدد في ظاهر الصنعة فقط، وفي حال الانتهاء منها، فلا يستطيع أن يعلم عنها شيئًا، بعد مغادرتها للمصنع، بينما علم الصانع الرباني، واسع يشمل الظاهر والباطن، ويعلم عنها أثناء صناعتها، وما بعد ذلك.

3- لا يستطيع الصانع البشري، أن يتابع ويراقب، صنعته بعد الانتهاء منها، ثانية بثانية، ولا يدري ماذا حل بها، ولا يبصر مكانها، ولا يسمع حسيسها، بينما الصانع الرباني، يتابع ويراقب صنعته ثانية بثانية، ويبصرها، ويسمعها ماذا تقول: وماذا تحدث به نفسها، وماذا تفكر، وماذا تريد.

4- وبسبب أن عقل الصانع البشري قاصر، وعلمه قليل ﴿وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا)﴾ الإسراء 85، فإن صنعته دائمًا فيها عيوب، وثغرات، ودائمًا يعمل على تطوير صنعته، لتكون أفضل، وأحسن من السابقة، بينما عقل الصانع الرباني مطلق، وعلمه واسع وكامل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَ ٰ⁠سِعٌ عَلِیمࣱ﴾ البقرة 115 وصنعته تامة، وسليمة، لم يطرأ عليها أي تطور، أو أي تحسين منذ خلق آدم.

النتيجة

وبناءَ على ذلك: فإن القانون الذي وضعه الله للبشر في القرآن والسنة، هو أقدر على تلبية حاجاتهم المعيشية، وأقدر على إقامة العدل، وتحقيق المساواة بين الناس، وإرساء نظام عالمي، تسوده السعادة والراحة، والطمأنينة، ويعم الرخاء والازدهار في الأرض، وتشيع المحبة والمودة بين البشر، أكثر بكثير من القانون البشري، القاصر العاجز، الجاهل بمعرفة الكينونة البشرية، ومتطلباتها، ورغباتها، والمشبع بالهوى، والانحياز لمصلحة الحاكم، فوق مصلحة الناس، والداعي إلى إشاعة الفاحشة، والرذيلة، والشهوات بين الناس.

ولا يقبل بالقانون البشري إلا فئتان من الناس، الأولى: هم الأشرار والفجار، والذين يريدون أن يبسطوا نفوذهم على الناس، ويستغنوا على حسابهم.

والثانية: هم عوام الناس البسطاء، السذج، خفيفو العقل والتفكير، والبلهاء الذين ليس لهم حيلة، ولا يهتدون سبيلًا.

أما العقلاء وأولو الحجا، فلا يرضون عن القانون الرباني بديلًا، ويسألون الجهلة والمغفلين ﴿أَلَیۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَـٰكِمِینَ﴾ التين 8 ويقولون لهم: طالما أنكم تطبقون تعليمات الصانع البشري بحذافيرها، حينما تشترون صنعته، لماذا لا تفعلون الشيء نفسه مع الصانع الرباني، وتطبقون تعليماته بحذافيرها، وهو العليم الخبير، والبصير بعباده، وهو الذي يعرف بصنعته أكثر ممن سواه؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد