هل كان يمكن أن نعيش دون أن نتعرض للسياسة؟

هذا سؤال يطرح نفسه قد كتبته الكاتبة أهداف سويف في الرواية. تقوم أهداف بعرض رواية مبهرة تقوم على كيف نقرأ التاريخ ومفهوم التاريخ، بواسطة قصة حب مدهشة مفعمة بالجمال تجعلك تتوحد مع النص، قصة مكتوبة بصدق وروح الكاتبة.

تقوم أمل الغمراوي بقراءة رسائل ومذكرات وبعض صحف تركتها البريطانية آنا ونتربون، في صندوق، ومن تلك الأوراق تنسج أمل حكايتها وتدونها، تتحول آنا لشخصية حية عادت بعد ما يقارب 90 عامًا لتكون حية مع أمل في مخيلتها وتكون كشخص واقعي أمام عيونها، ومن خلال تلك الأوراق تكشف عن مصر منذ بداية 1900م وتسير بنا وتوضح حالة العالم العربي، وشراء الأراضي في فلسطين والتهجير، واحتلال بلدان شمال أفريقيا، وسبل المقاومة في كل منهما، والأخبار المتناثرة، والحياة وسط الإنجليز ووسط المعارضين ووسط الطبقة الحاكمة في تلك الفترة، تعرض مصر بأسلوبها وبقراءتها الخاصة في تلك الفترة وتوضح فترة مهمة في مصر وهي التي تلت 1996 حتى قرابة 1999 والتي تكتب فيها أمل ومن خلال فترتين في مصر نجد فن قراءة التاريخ وهو أنها تسقط على الحاضر من خلال الماضي الذي يكرر نفسه، وتقرأ الحاضر في الماضي والماضي في الحاضر وتقرأ الفترة بتتابعها الزمني، وقد أشار لذلك صبحي الحديدي، ووضحت ذلك الكاتبة في كتابها في ترجمته العربية (ص697 ط، الشروق):

«كتبت آنا منذ مائة عام: لا أجد مفرًا من الاقتناع بأننا نعيش في عصر فظيع الوحشية – ونحن لا نملك إلا – تدخل أمل التغير الطفيف – الانتظار إلى أن يدور التاريخ دورته».

الرواية تفردها في رأيي هو ما سلف ذكره وهو عرض التاريخ برؤية مختلفة لأهداف لا نجدها منتشرة في الروايات التاريخية من كتابنا العرب، وهي رؤية جيدة حيث تقوم بجعل القارئ يقرأ النص من أربع زوايا، لتجعل الرواية بروازًا متكامل الأطراف في غاية الدقة ليشمل لوحة الكاتبة أهداف سويف الرائعة المبهرة تلك.

الرواية اعتمدت على شيء بالغ الأهمية وهو الرومانسية في أرقى وأوج قوتها، وأبرق مظاهرها، حيث لم تبتذل الكاتبة بل قدمت علاقات صادقة من طينة الواقع، لم تسخف ولم تستخف بالقارئ، تتعامل برقي يتناسب مع رقي عملها وإبداع قلمها، والرومانسية في رأيي دائمًا وأبدًا مدخل مهم للسياسة والتاريخ، خاصة لو كنا نتحدث عن الاثنين معًا، حيث يبرز التاريخ بجانبه المادي الجاف، وواقعة المأساوي وبريقه العاطفي، والآلام التي تنتج في تلك العلاقات ومرتبطة بالواقع، ونجد العقل الذي يفكر ويبحث، والقلب الذي ينجرف وسط الأحداث.

الفكرة هنا تعتمد على إبراز الماضي والحاضر بالنسبة لوقت كتابة الرواية من أربعة مداخل للقراءة ومن جوانب عديدة ينبع منها النص وتنبت كلماته، لتحيط بذكاء شديد بالفترة التاريخية بأكبر قدر ممكن أن يحقق لها وجهة نظرها.

إن التاريخ يبرز أزمة الهوية، ونجد آنا البريطانية التي تسكن مصر وبين حنين وشوق لأهلها ووطنها ورغبتها في أن تلم كل أحبابها تحت سقف واحد، فلا تكاد تخلو أي رسالة لوالدها دون دعوة له بأن يأتي، وبين حبها لزوجها ولمكانها الذي استقرت فيه وعاشت به.

نجد في الحاضر حنين أم في الحاضر لفلسطين وطنها قرب موتها، تتذكر حياتها وبلدها بصورته الجميلة البراقة التي تلمع في طفولتك وتتجنب في رسم الصورة أي شيء أو شيئًا لا يبدو ساحرًا، لتحملنا لعالم باهر قبل سلب الوطن منها ورحيلها.

فى الرواية ذكاء شديد فهي لا تعرض قصة رومانسية جارفة قوية، ولا تاريخًا وحسب، بل ترسم الواقع في الماضي والحاضر والمجتمع وحالة الأفراد والعادات والتقاليد والطبقات والصراع وبين القرى والأرياف والمدن وبين شمال وجنوب مصر، لتحيط بأكبر قدر من صورة المجتمع المتكاملة وتوضحها في غمرة الأحداث بذكاء فائق في الحاضر والماضي، وهنا يذكرني ذلك برواية ج. إليوت وهي ميدلمارش، تلك الرواية أكاد أجزم أن الرائعة أهداف سويف قد تأثرت بها، صحيح أنها صرحت ببعض الاقتباسات منها، لكن قبل كل فصل أو كل فقرة هناك اقتباس مختلف لشخص مختلف، ورغم تصريح الكاتبة إن آنا في مخيلة أمل كما في ميدلمارش، لكن أنا أرى أن هذا مصارحة في أول الرواية بميدلمارش التي تركت أثرًا عظيمًا في مخيلة ونفس الكاتبة، من حيث الرومانسية والسياسة ورسم المجتمع بهذا الشكل، نجد تشابهًا بين مستوى وطبيعة الرومانسية، وأنا ممن يؤمنون الرومانسية هي هي في كل عصر منذ خلق آدم فقط تتأثر ويختلف شكل الممارسة أحيانًا لاختلاف المجتمع والعادات، وتتفق في قدرتها على التعبير عن الواقع وتوضيح السياسة ورسم التاريخ بدقة باهرة مثيرة، يذكرني ذلك بإيفان تورجنيف الكاتب الروسي الذي يمتلك روحًا فرنسية وهو المثال الحي للرومانسية في عرض السياسة وقدرة الحب على أن يكون المفتاح لعوالم كبيرة وتوضيحها بسلاسة ويسر، ويتشابه معه قليلًا ستندال وروايته الأحمر والأسود أيضًا تتشابه مع توجنيف في ذلك.

الرواية في لغتها الإنجليزية رائعة وجميلة ونقلتها المترجمة بحرفية ودقة ورشاقة، والرواية لديها عنصر تميز آخر وهو تتابع الأحداث وجعل الرواية ضخمة الحجم فهي في 702 صفحة في النسخة المترجمة و529 في النسخة الإنجليزية مكثفة للغاية رغم كل الحجم وتتابع التصوير بدقة لجعل هناك مساحة من الخيال وجعل أحداث الماضي والحاضر والأزمات والتفكير المرهق مع الرومانسية الرائعة المهبرة تأخذك في متعة فتريد أن تظل تقرأ وتتحمل التعب والإرهاق حتى تنتهي منها.

الرواية صعبة بلا شك ومرهقة تعتمد على رسائل وتتداخل الحاضر والماضي في الفقرات دون إنذار في كثير من الوقت وانفصالهم كثيرًا وتلك الحيلة السردية الصعبة تعود بنا للنقطة الأولى وهي قراءة الحاضر والماضي بزوايا عديدة ومن مفاهيم ونظريات مختلفة ليست جافة، فهي قضت على الجفاف للحس المادي والصارم والاهتمام بالحدث التاريخي فقط، بل اعتمدت على سير الأحداث ليوضح الواقع والمجتمع في طياته بشكل بارع بدون مباشرة.

من أهم المشاهد هو حادثة دنشواي وبعد سنوات يحدث في الحاضر تفجير قرب المتحف وتفجير قرب الأقصر وحزن وخوف آنا البريطانية ورعبها حينما حدث ذلك في الماضي وخوف أمل وإيزابيل في الحاضر، وبين قتل الأهالي في الماضي والحريق وتكميم المعارضة وبين حبس الأهالي والعواجيز والأطفال وضربهم وتعذيبهم وإخراج البعض منهم بعد تدخل من صاحب نفوذ طلبت منه أمل ذلك.

ذلك مثال يكثر الحالات المختلفة بين الحالات النفسية والأحداث السياسية والواقع ونجد تكررها بشكل مختلف، ونعود لقول التاريخ يعيد نفسه، ونجد الرومانسية تكرر أثرها الخفي أيضًا، وطوال تلك الدوائر ترسم لنا وتوضح أهداف مصر في فترتين وما جرى بينهم وما جرى فيهم وقد تعرض له مئات وربما آلاف الكتب، لكن هي برواية وقصة وبحرفية شديدة وضحت ذلك العالم كله بسهولة. نجد عالم آنا يؤثر شعوريًا على أمل، وتتحدث لها حينًا وتتمنى وجودها وتحزن لفراقها، نجد أيضًا القمع السياسي والتدخل في فترتين وما بينهم ونجد الظلم والعنف والتكميم وأزمة الهوية وأزمة مثقف وأزمة المواطن العادي والجهل والفقر والدين والعادات والتقاليد وجمود الشرق وعدم تخليه عن بعض العادات والأفكار التي لا تناسب التقدم ونجد الثبات والتمسك بالماضي، ونجد النظرة الدونية للمرأة والنظرات السخيفة لكل ما هو مختلف ومغاير، نجد الصراع بين التقدم والثبات، ونجد التعزية في التغيير، الذي لا يأتي والذي يؤمن البعض أنه لن يأتي، ونجد تمسك العامة بعدم التغير، ونجد أن عدو الناس هم أنفسهم قبل احتلال وقبل سلطة، صراع الأفكار أيضًا.

الرواية كتبت بحس امرأة، ومشاعر صادقة ومن ثقافة وتجربة للكاتبة في تلك الفترة، وتوضح بحرفية ما ينتابها وما يختال في عقلها، وبصدق وبحماس وشحن أدبي تكتب بقوة رواية مبهرة، مثال لكيفية قراءة التاريخ وكيفية النظر له وما هو التاريخ، وكيف نكتب الرومانسية، وكيف تكتب رواية صعبة للغاية وتتحكم بها بسهولة كأنها عجينة في يدك تشكلها دون تعب أو إرهاق، وطرحت العديد من المسائل والإشكاليات والأسئلة ونجد أيضًا كاتبة مبدعة أراها مع تجاربي لها أنها أفضل روائية مصرية في التاريخ، وهي من أعظم الكاتبات العرب وأعظم الكتاب العرب وتوضح كيف لمرأة تحررت من قيود كل شيء وكتبت بحس جنسها وبشخوص أغلبها نساء رواية صادقة قوية بالغة الذكاء شديدة الصعوبة، كتبت بلغة غير عربية لكنها ترقى لتكون من أعظم الروايات في تاريخ العرب، ومن أعظم كاتبات العرب.

كيف يصيبنا الحب هكذا فجأة؟ بدون إنذار؟ بدون استعداد؟ أليس المفروض أن يزحف علينا وئيدًا، يأخذ وقته، حتى إذا جاءت اللحظة التي نُصَرِّح فيها (أنا أحب)، نعرف – أو على الأقل نظن أننا نعرف – ماذا نحب؟ كيف يحدث هذا؟ وضع الكتفين، اتساع الخطوة ظل خصلة من الشعر على الجبهة، كيف تحرك مشاعر القلب إلى هذه الدرجة؟

يتحدثون باسم العشب، ليس للعشب صوت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد