حين تهب رياح الفتنة، أو تشتد نار المحنة، وتختلف ردود الأفعال والاستجابات من قبل أصحاب الدعوات، يحلو للبعض تصنيف الناس حينئذ إلى فريقين؛ أما الفريق الأول فهم «أصحاب الإيمان القوي» وهم أهل الثبات، والفريق الثاني هم «ضعاف الإيمان» وهم الذين لم يثبتوا أمام عواصف الفتنة!
 
وهو تصنيف خطير، فلو كان الإيمان المذكور هنا هو الإيمان بالدعوة وقواعدها وأصولها فهو أمر فيه إشكال، وإن كنت أميل إلى خطورته، أما لو كان الإيمان المذكور هنا هو الإيمان بالله فلا يقتصر الأمر إذن على كونه أمر فيه إشكال أو حتى خطورة، إنما قد يرقى دون قصد إلى مرحلة «التأله على الله»، نعوذ بالله من ذلك، وما كان لأحد أن ينوب عن الله في التشكيك بقوة أو ضعف إيمان أحد لم يصبر في المحنة، فلا يطلع على قلوب هؤلاء أحد، ولا يشقق عن قلوبهم حتى أفضل المؤمنين فراسة وصلة بالله، فلا يعلم ما في القلوب غير الله، لا زهاد عباد، ولا ملائكة مقربون.
 
في غزوة أحد، وبعد إشاعة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فر الصحب الكرام كلهم، لم يثبت إلا نفر قليل، حتى ألهم الله من هؤلاء النفر قليل العدد من يحث الآخرين على العودة إلى ساحة الجهاد؛ سمع الصحابة الخبر كالصاعقة، وكادت روحهم المعنوية تنهار كليًّاََ، فئة فرَّت إلى المدينة، وأخرى لاذت بالجبل، وثالثة قعدت وألقت السلاح، فأقبل أنس بن النضر -رضي الله عنه- وقال: ما أجلسكم؟ قالوا: قُتِل رسول الله! فقال: ويحكم! قوموا فموتوا على ما مات عليه! وهوى بجسده وسيفه يخترق صفوف قريش ويقول: إلى أُحُد، إني والله لأشم رائحة الجنة دونه، فوجدوه دون أُحُد عليه بضع وثمانون ضربة، قد مات شهيدًا على أرضها! ثم أنزل الله في الحادث قرآناََ يتلى، «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» [آل عمران : 144] ورغم كل ذلك لم يتهم أحد هؤلاء الذين تركوا الساحة بعد تلك الإشاعة التي فتنتهم فعلاََ، إنما ظهر من يدعو إلى جمع القلوب وتوحيد السواعد وتشجيع روح الاستشهاد في سبيل الله.
 
في حادثة الإفك، ذل كثير من المسلمين، وخاض البعض في عرض أم المؤمنين عائشة وما هو إلا عرض خاتم النبيين وأشرف المرسلين نفسه، ونصح البعض رسول الله بطلاقها، وطال أمد الفتنة، ورغم كل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد حض المؤمنين على الاستمرار في الإحسان إلى هؤلاء الذين خاضوا في أعراضهم، «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» [النور : 22] وخاطب الذين وقعوا في الإثم ولم يثبتوا في الفتنة، «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» [النور : 17]
 
في أول غزوة حنين، كانت الغلبة للمشركين، وفرت جموع المسلمين، بعد أن وقعوا في فتنة الاغترار بالكثرة، «لن نغلب اليوم من قلة»، «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ» [التوبة : 25] لم يصدر بحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماََ بالفرار يوم زحف رغم أنهم كادوا يفعلون، لكنه شق صفوف المشركين وحده، منادياََ بأعلى صوته: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب»، فألهب العواطف، وألهم النفوس، وشحذ الهمم، فصاروا كراراََ بعد أن كانوا فراراََ، وكتب الله لهم نصراََ عظيماََ، «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» [التوبة : 27]
 
وفي الفتنة الكبرى نفسها انقسم المسلمون إلى فئتين عظيمتين، وفي كل منهما فريق من الصحب الكرام، وفي كثيرين من هؤلاء الصحابة الأجلاء في كلا الفريقين من هم مبشرون بالجنة، أو وردت في فضلهم أحاديث نبوية صحيحة، وقد سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم «فئتين عظيمتين من المسلمين» ولم ينزع عن الفئة الباغي منهما صفة الإسلام رغم أنه صرح بعدوانها المسلح على أختها: «تقتلك الفئة الباغي»، الشاهد أن الفتنة لم تقسم المسلمين إلى مسلمين وغير مسلمين، إنما قسمتهم إلى فئة صاحبة حق وأخرى باغية عليها.
 
في الفتن إذن لا بد أن ننتبه إلى فقه الفتن والمحن والشدائد، لا بد أن نستقيم في الحكم على الموقف، بلا إفراط أو تفريط، وسوء تقدير فقه المحنة له عواقب خطيرة، في العواصف، لا تفقد الأشجار يابس أوراقها فقط، بل وأخضرها وأنضرها كذلك! وكم من شجرة عظيمة اقتلعتها الرياح، لا لضعف فيها أو هوان، لكن لعظم الريح التي تستعصي على كل رسوخ جذور أو قوة سيقان!
 
ولا يجوز بحال لأحد الطرفين المتنازعين أن يحتكر الحق إلى جانبه، ولا يجوز أن يصفوا من يتخلى عن ركبهم بما وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخلف عن الغزو قائلاََ: «إن يعلم الله فيه خيرا يلحقه بكم» صدق رسول الله طبعا! لكن، هل يدعي أي إنسان مهما كان تقياََ عالماََ ورعاََ أنه يمثل رسول الله وحده، حتى يكون المتخلف عنه لا خير فيه؟! أليس هذا هو «التأله على الله» بعينه؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد