أخي القارئ مرحبًا بك!

يبلغ عرض البحر الأبيض المتوسط من الساحل التركي إلى الساحل المصري تقريبًا 400 ميل يزيد وينقص طبقًا لتضاريس الشواطئ بين البلدين. كانت معظم مساحة البحر الأبيض المتوسط تحت سيطرة الدولة العثمانية، فكان أشبه ببحيْرة إسلامية، وكان البَحَّار خير الدين باشا المعروف لدى الأوربيين بربروسا سيد البحر الأبيض المتوسط في عهد السلطان سليم والسلطان سليمان القانوني، فكانت لا تبحر سفينة في البحر الأبيض المتوسط إلا بإذنه وبأمره، بل كان الأسطول الأمريكي في القرن السادس عشر ميلادي يدفع الجزية للدولة العثمانية مقابل مروره بالبحر الأبيض المتوسط، وهناك معاهدة وقعها أول رئيسٍ أمريكي جورج واشنطن تقضي بأن يدفع الأمريكيون 642 ألف دولار ذهبي، و1200 ليرة عثمانية مقابل السماح الآمن للأسطول الأمريكي بعبور البحر الأبيض المتوسط.

نَمَت على شواطئ البحر الأبيض المتوسط حضارات عظيمة كان بينها صراعات كثيرة، إلا أن الفتوحات الإسلامية للبلدان المطلة على البحر الأبيض المتوسط جعلت منه بحيْرة إسلامية.

بعد الحرب العالمية الثانية وتفتت دولة الخلافة الإسلامية إلى دويلات صغيرة. أصبح يُطِل على البحر الأبيض المتوسط دويلات كثيرة بعد أن كانت دولة واحدة هي المطلة على غالبية شواطئ هذا البحر الغني بالموارد الطبيعية، وبعد هذا التفتت كان لا بد أن تتقاسم الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط خيراته، وبناءً على ذلك اعتمدت الدول على قانون البحار الذي صدر عام 1982م لتحديد الجرف القاري لكل دولة، بحيث تسطيع كل دولة بسط سيادتها لأغراض الاستكشاف واستغلال الموارد الطبيعية غير الحية مثل النفط والغاز والمعادن وغيرها، الأمر الواقع يُحَتِّمُ على كل دولة البحث عن مصالحها وما يحقق النفع لشعوبها.

مع أَنَّ هَذا الأمرُ الواقعْ هو في الحقيقة واقع أليم ومُناف لِفكرة تآخي المسلمين، وأنَّ المسلم أخو المسلم يشاطره الغنى والفقر، ويشاطره هذه الكنوز التي في باطن البحر، التي هي من صنع الله عز وجل.

يَهُمُّنا مِن هذه الدول الآن الدول الكبرى التي لها شواطئ كبيرة تُطِلُّ على هذا البحر، فهناك تركيا المسلمة التي يَقْطُنها مَا يقارب 80 مليون إنسان ومصر المسلمة التي يَقْطُنها ما يقارب 100 مليون إنسان، وليبيا المسلمة التي يَقْطُنها مايقارب 7 مليون إنسان، واليونان وجزيرة قبرص التي يَقْطُنها ما يقارب 11 مليون إنسان، فكان لا بد أن يكون الأمرُ الواقع مُعَادلته كالتالي 187 مليون إنسان يشتركون في دين واحد وعادات اجتماعية وثقافية متقاربه وتاريخ مشترك مُقابل 11 مليون إنسان يخالفونهم في كلِّ ما بينهم، لكن مَا تريده أوروبا أن يُسَيطر أحد عشر مليون إنسان  على خيرات البحر المتوسط في مقابل 187 مليون انسان تُنْهك ميزانية دولهم المالية في استيراد الغاز، ويلجؤون إلى استيراد الغاز من اليونان.

تبلُغ فاتورة استهلاك تركيا للطاقة ما يقارب 50 مليار دولار، وتبلغ فاتورة استهلاك مصر للطاقة ما يقارب 122 مليار جنيه،فبدلاً منْ أن تتجه هذه الأموال الضخمة للتعليم والصحة تَتجه إلى دعم المشتقات البترولية.

حينما تتعامل الحكومات في ما بينها بمنطق كيد النسا تُهْدر الكنوز والثروات لصالحِ الأجنبي.

يوجد بين تركيا ومصر وليبيا في البحر الأبيض المتوسط جزيرتان تابعتان لليونان وهي جزيرة كريت وجزيرة قبرص، وهاتان الجزيرتان تقعان في المياه العميقة للبحر الأبيض المتوسط، التي دلت الاكتشافات الحديثة أن بها مخزونات ضخمة من الغاز الطبيعي، لكن ما تريده اليونان هو حرمان الدول الكبرى كمصر وتركيا وليبيا من حقوقها في المياه العميقة وذلك باعتبار قبرص وكريت لها الحق في مناصفة الحدود البحرية مع هذه الدول، وهذا يعني أن اليونان ستسيطر على أغلب المياه العميقة بحكم أن جزيرتي قبرص وكريت في منتصف البحر الأبيض المتوسط، ويبقى للدول الكبرى قليل من المياه العميقة وكثير من المياه الشاطئية التي تقل فيها الكنوز، فَكان من البديهي أن ترفض الدول المطلة على البحر هذه الاتفاقية المُجْحفة، وهذا مَا فعلته الحكومة التركية بإرسال سفن حربية تمنع الشركات الأوروبية من إخراج هذه الكنوز وابتلاعها، وقامت بتوقيع اتفاقية مع الحكومة الليبية الشرعية التي أهملت هذه الاتفاقية بدورها اعتبار قبرص وكريت وَكأنها دولة تُسيطر على أغلب مساحة المياه العميقة، وكانَ من المفترض أنْ تُوقع مصر مع تركيا وليبيا على هذه الاتفاقية، ويتقاسموا كنوز البحرْ، ولكن وجدت الحكومة المصريه نَفْسها في عداء مع الحكومة التركية، فتعاملت معها بمنطق كيد النسا، وذهبت إلى اليونان ووقعت معها معاهدة لترسيم الحدود البحرية حرمت مصر من ما يقارب مساحته 7 آلاف كيلو مترًا مربعًا من الكنوز والخيرات في مقابل حرمان تركيا وفرض الأمر الواقع عليها، وهذا ما كشفته وثائق مسربة من الخارجية المصرية سربتها قناة الجزيرة مباشر، وكشفت أنَّ الخارجية المصرية تُوصي الرئاسة بِرفض الطرح اليوناني لتعيين الحدود البحرية، وأن اليونان تستغل الخلاف التركي المصري للضغط على الجانب المصري، لكن الرئاسة المصرية لم تستجب وأصرت على توقيع الاتفاقية.

الحقيقة المؤلمة التي تَتَرسخ يومًا بعد يوم أنَّ الحكومة المصرية هي مَنْ تُهْدر ثَروات الشعب المصري، وتَتنازل عن مُقَدراته بِثمنٍ بَخسْ، ولم يَعد أمامه إلا أن يُدافع عن مُقدراته وثرواته بنفسه التي هو في أمس الحاجة إليها بدلًا من أنْ يَستَدين منْ أوروبا لكي يغطي مصروفات الطاقه، وتُعطي حُكُومتَه خَيراتِه لإوروبا التي لا تَشْبَع مِن نَهب خَيْرات الشعوب، على الشعب أنْ يُوقف عبث هذه الحكومة التي أصابها السعار في كل ما تفعله، فلقد تنازلت عن جزيرتي تيران وصنافير، وَهَمُّها الوَحِيد هُو كَسر ظهر المواطن المصري.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد