لم أتخيل يومًا بأني سوف أكتب مقالًا عن العنوسة! لطالما كنت من غير مناصري فكرة الزواج، خاصة في السنوات الخمس الأولى في عِقدي الثاني من عمري وعمُر أي فتاة في مجتمعي الغزي.

ولكن رأيتُ في الآونة الأخيرة أن نسبة اللائي لم يتزوجن من الفتيات ورغبن جدًا بالزواج، ولم يحالفهن النصيب بعد، قد ازدادت بشكل مخيف وعلى مستوى مختلف من الأعمار حتى اللواتي تجاوزن الخامسة والعشرين من عمرهن، فكيف إذا أضفنا اللائي لا يرغبن بالزواج؟ هل نقوم بتصنيفهن جميعهنَّ ضمن فئة العوانس!

لقد وقع نظري على إحصائية لعام 2015 تتعلق بنسبة العنوسة ذُكرت في أحد التقارير الفلسطينية، وتبين الإحصائية أن 125000 فتاة من أصل 1800000 تندرج تحت بند العنوسة، فاذا كانت هذه الأرقام قبل عامين، ما معدل العنوسة في عام 2017؟

وهذا ما لفت انتباهي وجعلني أعيد ترتيب الأفكار برأسي، وما هي تلك الأسباب التي تؤدي إلى زيادة تلك النسبة؟ فكرتُ قليلًا بمجتمعي الذي تجتمع فيه كل التناقضات، إذ أنه تارةً ما تحكي لي فتاة بأن عادات وتقاليد عائلتها تقَيّد وتضع شروطًا لا منطقية في الزواج، وأن العمر سوف ينتهي بها في دائرة العنوسة، وأن تلك الشروط ستظل حاكمًا سلطويًا عليها.

وتارة أخرى تقوم عائلات الكثير بالامتناع عن تزويج فتياتِهن بسبب الميراث الذي هو بالأصل حق شرعي لهنَّ، وبالتالي تبقى الفتاة رهينة الميراث.

وفي حالة تناقضية أخرى، تشكي لي فتاة الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، والتي حالت دون حصولها على فرصة زواج! وجعلت هاجس العنوسة يطاردها.

في الحقيقة لم أُعر اهتمامي للعادات والتقاليد والميراث والأوضاع الاقتصادية بقدر ما وضعت جُل ذهولي في كلمة «فرصة». هل أصبح الزواج فرصة؟ علينا نحن الفتيات اقتناصها! وإذا لم نفعل سينتهي بنا المطاف إلى العنوسة؟ هل وصلنا في حياتنا إلى مرحلة من المراحل التي نرى فيها الزواج فرصة ذهبية قد تأتي وأيضًا قد تُفْقَد؟

لم أستوعب يومًا فكرة أو مصطلح العنوسة، لأني لم أكن من مؤيدي فكرة الزواج ولا زلت، فكيف لي أن أتقبّل فكرة الزواج كباعتبارها فرصة؟ وأنا التي أرى أن الحصول على درجات دراسية أعلى فرصة، وبأن السفر فرصة وبأن الوصول إلى منصب وظيفي عال فرصة، وبأن الاستقلالية الذاتية بكل جوانبها هي بحد ذاتها فرصة.

ربما ترتيب الأولويات يختلف من فتاة إلى أخرى، وهذا الأمر طبيعي جدًا، ولكنّى أرى حقًا أنه من غير الطبيعي أن يُطلق على الزواج كلمة «فرصة» فلا يجب أن يكون الفرصة المنتظرة في ظل الأوضاع الحياتية الصعبة التي يعيشها مجتمعي في قطاع غزة، ولا يجدر التفكير به بوصفه إحدى الأساسيات التي لا يمكن العيش بدونها!

وقد أُطلق عليه من وجهة نظري «تحد ومنافسة» في هذه الظروف، فهل نحن قادرون على الخوض في هذا التحدي؟ وإذا كنا قادرين؟ فهل من إجاباتٍ لأسباب ازدياد معدلات الطلاق والانتحار والجريمة في قطاع غزة بشكلٍ مخيف؟

يجدرُ على الفتيات التفكير بعقلانية ومنطقية أكثر، بل عليهن التفكير بأن الزواج هو مشروع حياة كامل أكثر مما هو مخرج لمرحلة العنوسة التي يُقنعنَ أنفسهن بها، وبأنه مسؤولية تحمل الكثير الكثير من الجدية والتضحيات، أكثر مما هو تحد، ويحتاج منْهُنَّ القدرة على الإعالة لشخصهن وشريكهن وطفلهن أو أطفالهن المستقبليين في أشد الظروف حلكة وأسهلها.

وبالتالي قبل أن نرى العنوسة كابوسًا أو هاجسًا أو مرحلة مقلقة علينا أن نعيد أدراجنا إلى الخلف قليلًا ونفكر أكثر بهذا السؤال: «هل أنتن مستعدات لـ«فرصة» الزواج كما أُطلق عليها؟ أم أنكُنَّ سوف تتخلَينَ عن مرحلة العنوسة لصالح فرص أخرى؟!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد