كثيرًا ما تتردد في أذني أشهر الجمل في السينما المصرية التي قالها الراحل المبدع «يحيى شاهين» في فيلم «شيء من الخوف» الذي كتب قصته كاتبنا الكبير ثروت أباظة، وأخرجه للسينما المخرج الكبير حسين كمال، وقام ببطولته الفنانة شادية والفنان محمود مرسي، وهي: «زواج عتريس من فؤادة باطل».

تلك الجملة التي كانت صرخة مدوية في وجه ظالمٍ مستبد وهو «عتريس» الذي سامَ أبناء قريته سوء العذاب، فلم يرحم صغيرهم، ولم يوقر كبيرهم، بل ضنّ عليهم بأبسط مقومات الحياة؛ وهو الماء الذي حبسه عنهم فأمست أراضيهم بورًا يتسولون رغيف الخبز؛ فطحنتهم رحى الفقر، وأجهدتهم يد الظلم والاستبداد.

وتلك هي مسيرة الظالمين مفعمة دائمًا بالقسوة، وعدم الشفقة، وشهوة الانتقام، وعشق السلطة، وحب التسلّط.

وذلك منشؤه أسباب نفسية تتعلق بطفولتهم إذ ترعرعوا في ظل أبٍ متسلط حرمهم طفولة سوية، جعلتهم ناقمين على كل من حولهم، لديهم رغبة غريبة في الانتقام، وكان التاريخ شاهدًا قويًّا على ذلك.

لكن الإسقاط الذي أراده الكاتب ثروت أباظة والمخرج حسين كمال في أحداث الفيلم على ما عاشته مصر في حقبة لها أهميتها الكبيرة، وما ترتب عليها من أحداث جسام، جعل مقص الرقيب حَكمًا فاصلًا في وقف عرض الفيلم على شاشات السينما.

وما حدث في حقبة الناصرية بكل ما فيها من شد وجذب بداية من هزيمة الجيوش العربية على أبواب فلسطين، وسقوط البلاد في يد اليهود عام 1948، ثم دخول معسكر الاشتراكية وكابوسها المؤرق، والتطاحن على السلطة بين ناصر ورفاقه كالضباع الجائعة حتى فتك بعضهم بعضًا، وما أدّى ذلك في النهاية لهزيمة يونيو (حزيران) عام 1967 واستيلاء «إسرائيل» على الأراضي العربية حتى مات الرجل في النهاية، وخلّف وراءه إرثًا ثقيلًا، ما زلنا نعيش تبعاته حتى الوقت الراهن.

ولعل التاريخ يعيد نفسه وينسج خيوطه مرة أخرى من جديد؛ ليكشف لنا عن إسقاطٍ جديدٍ مشابهٍ في فصوله وأحداثه لما حدث إبان حقبة ناصر، لكن تلك المرة يبدو لنا عتريس من طراز آخر أكثر سطوة وأكثر عشقًا للدماء متلذذًا بتعذيب الآخرين وظلمهم.

ففؤادة التي يُرمز لها بتلك الفتاة الرقيقة ابنة رجل بسيط من أهل القرية؛ هي مصر التي هام بحبها عتريس بجبروته وسطوته، تقف بأنوثتها الطاغية لتفتح الهويس الذي ستمر المياه من خلاله حتى يروي الفلاحون أراضيهم وتشك الزروع بعدم مقدرة رجاله على منعها منه أو أنهم هموا بمنعها، ثم استنجدوا بعتريس معتقدين أنه سيمنعها فإذا به ضعيف.

نعم ففؤادة التي ترمز لمصر غالية!

تلك التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ والتي أذابت الفراعنة والبطالمة والهكسوس والرومان، وكثير من الأمم الذين استعصوا على غيرها.

فمن يريد الاستحواذ على فؤادة والظفر بقلبها بغير وجه حق لن يجرؤ على هذا طالما ضنت عليه بذلك مهما حاول أن يضفى ألوانًا كثيرة من الشرعية سواءً بإغداق الأموال أو بالترهيب، أو بشراء الذمم، ففؤادة سامية بأخلاقها نبيلٌ بعطائها.

ولنتأمل جسد محمود المسجي الذي يحمل رمزية كبيرة لما نعيشه الآن، والذي يحمله أبناء القرية على أكتافهم، بعدما قُتل غيلة وغدر، وأبوه شيخ القرية يبكيه في مرثية حبكت خيوطها حبكة قوية، بعدما انتفض الكبير والصغير، رجالًا و نساءً من أهل القرية، متجهين ناحية قصر عتريس يدفعهم رغبة شديدة في الانتقام، بعدما نفضوا عنهم غبار الخوف والجزع، حينما أدركوا أن كلمتهم إن اجتمعت، فلن تجعل من أي ظالم مهما كانت قوته وجبروته حائلاً أمام رغبتهم العارمة في استرداد حرياتهم، وتنسم عبقها وعبيرها الفواح.

لتأتي ساعة الخلاص وينبلج الصبح عن ليل دفين، وهم يرددون مع شيخهم المكلوم بولده: زواج عتريس من فؤادة باطل! ويسقط المعبد على رأس ساكنيه، ويتسرب رجال عتريس من حوله تسرب النمل من الصخور، معلنين تخليهم عنه بعد أن أصبح ضعيفاً واهنًا، لا حول له ولا قوة.

وتعلو صرخاته كالمجنون ليستنجد بهم لكن هيهات! فقد حميَ الوطيس، ودارت عليه دائرة الظلم لتقتلع رقبته وتحصدها، كما حصدت رقابًا كثيرة قبل ذلك. ويزداد نفير أهل القرية مرددين مع شيخهم «باطل» فيحترق القصر ويسقط عتريس سقوطاً مدويًّا.

تلك إرادة الشعوب أمام قاهريها، فمهما صبروا وتحملوا فهم حتمًا سينتفضون، وتلك مصر ستظل عصية على المتغطرسين والديكتاتوريين، ولنردد مقولة الراحل يحيى شاهين: «زواج عتريس من فؤادة باطل.. باطل!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد