يطيب لي أن أسميها مجزرة، وإن لم يرتق فيها إلا ثلاثة، كان أحدهم أحد أطباء قلين، وهو الدكتور حسن رضوان الذي حضرت جنازته وسمعت ممن نعوه ورأيت مما يخيم على الحضور من الحزن ما يشهد له بحسن الخلق وحبه لله ورسوله وحبه لوطنه، وعرفت أن هذه هي أول مسيرة يشارك فيها في حياته استجابة لنصيحة زوجته الصالحة وتفاعلًا مع ما خلفته أحداث فض ميداني رابعة والنهضة من آلام أدمت قلوب العالمين، فنال الشهادة رحمه الله بضربة من ساطور من أحد البلطجية الذين تحميهم الداخلية.

كان يومًا مشهودًا لم يتخلف عنه أحد ممن شهدوا يوم الفض، والذين خرجوا من الميدان باكين على أجمل أيام مرت بهم في حياتهم كلها جهاد وذكر وتواص بالحق والصبر، وكان السؤال الذي يشغل الجميع وماذا بعد؟! هل هذه هي النهاية؟! وهي نهاية لا يعرفها من عرفوا الله وعرفوا غايتهم، فكان هذا التساؤل الذي يملك عليهم نفوسهم هو السبب الرئيس في تحويل كل ميادين مصر بعد الفض إلى ميادين لرابعة لن تهدأ ثورتها إلا يوم النصر.

فكان الفض الأربعاء 14/8 وبات من بات هذه الليلة في مسجد الإيمان بمكرم عبيد حتي صبيحة يوم 15/8، ثم كان يوم الجمعة 16/8 يومًا مشهودًا في كل أنحاء الجمهورية.

كان في كفر الشيخ مسيرتان إحداهما خرجت من مسجد الجمعية الشرعية والثانية خرجت من مسجد الخياط على أن تلتحم المسيرتان في شارع النبوي المهندس، ولا أدري هل قدر الله لهما أن يتلاقيا أم لا، ولكن الحشود كانت هادرة ووقعت عيني علي الكثيرين ممن شهدوا يوم الفض، بل وكل الإخوان والمخلصين من أبناء هذا الوطن نزلوا ليقوموا بالواجب وليعذروا أنفسهم أمام الله، ولينكروا هذا المنكر العظيم وليدينوا هذه الجريمة النكراء بألسنتهم وقلوبهم، وليستحثوا القلوب الغافلة والعقول المغيبة علها تفيق من سكرتها وترجع إلى الحق وتئوب إلى ربها.

واتجهت المسيرة في اتجاه مسجد عباد الرحمن على أن تنتهي عنده بهتافات كلها قوة وكلها عزم على استكمال مسيرة الثورة حتي تقيم الحق وتدحر الظلم، وإذا بالمسيرة تواجه بالبلطجية الذين تترس بهم وتحميهم الداخلية، فالبلطجية يرجمون الثوار بالأحجار ويواجههم الثوار، فإذا ما ظهر عليهم الثوار رجمتهم الداخلية بالقنابل المسيلة للدموع، ولبعض الأخطاء التي حدثت من منظمي المسيرة كادت أن تحدث مقتلة عظيمة، فالبلطجية والداخلية يحاصرون المسيرة من جميع الاتجاهات ومنتشرون في كل الشوارع الجانبية، بل وفي كل مداخل مدينة كفر الشيخ مزودين بالسنج وأسياخ الحديد، وكانت إرادة منهم أن يكسروا الإرادة وأن يشيعوا اليأس ولربما نجحوا في ذلك لفترة لم تدم طويلًا بفضل الله، ثم بفضل شباب سيخلد تاريخ المحافظة أسماءهم ليذكرهم بشجاعتهم وذكائهم وإخلاصهم وتجردهم.

وانتشر الهرج والمرج في المسيرة وشقت مجموعات لنفسها طريقا بين البلطجية، وكنت من المجموعة التي هداها تفكيرها وأجبرتها الظروف على الدخول في الاستاد ليتبعها البلطجية ولتحاصرها الداخلية.

وكان معنا إخوة وأخوات وأحد الأحبة الذين حكم عليهم بعشر سنوات ظلمًا وعدوانًا وحرمت المحافظة منه طبيبًا ماهرًا يثق في كفاءته وخلقه كل الناس، ويسود الرعب بيننا لتثبتنا إحدى الأخوات الطالبات قائلة لنا ما قاله عبد الله ابن رواحة لأصحابه يوم مؤته!

ويهدينا تفكيرنا ان نتسلق سور الاستاد إلى الأرض الزراعية التي خلفه فيحمل بعضنا بعضا ويتلقي بعضنا بعضا لنخوض في ترعة أو مصرف سائرين في الحقول قاصدين الطريق تحت وطأة المطاردة من البلطجية وسماع أصوات رصاص وخرطوش الداخلية المرعب.

أما أنا فوقف لي رجل بسيارته ومعه أسرته وهو يرى ثيابي التي تشير إلى أنني خضت بها في الماء، وكان رجلًا طيبًا، أقلني إلى سخا، ومنها عدت إلى بلدتي؛ لأرى كل إخواني وقد نالهم الكثير، حتى إن إحدى الأخوات قد خطفها البلطجية وأوسعوها ضربًا، وأخذوا هاتفها وما لديها من مال، ثم تركوها.

ومن الجدير بالذكر أن البلطجية في هذا اليوم قد هجموا على بيوت رموز الإخوان في المحافظة مهددين ومتوعدين ومخربين.

هذا وبالرغم من كل ما لاقاه ويلاقيه إخواننا، فكلهم عزم على استكمال ثورتهم، وكلهم يقين في نصر الله، وكلهم أمل في يوم قريب يعز الله فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويقولون متى هو قل عسي أن يكون قريبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد