تفاهاتنا اليومية، وأفكارنا… إلخ من منتجاتنا اللفظية على الشبكة العنكبوتية، أبقارٌ طيبة، لإنتاج حليب «البيانات الضخمة». رامبلستيلتسكين؛ القزم الخرافي؛ الذي يأخذ ما تملك، مقابل ما يصنعه لك من الذهب، لديه، نسخة كوربوريشن، تمتلك اسمًا رنانًا: منصة إدارة البيانات. القزم الجديد، يصنع من حليب بياناتنا، زبدةً، تباع بمئات المليارات من الدولارات.

السطو الرقمي الحلال

نشاطاتك؛ داخل الإنترنت، تعمل مثل الـ«فياجرا» تسويقيًا، تضمن للشركات، عدم توقفك عن «البورنو» الاستهلاكي. الأهم؛ إننا بدون أن نعلم – وأغلب الأحيان نخاف الاعتراف – باستخدامنا الإنترنت؛ أحيانًا، للتعبير عن أفكارٍ عبقرية، أو ملاحظاتٍ لوذعية. نخشى أن تسبب لنا الحرج، إن عبرنا عنها، في واقع حياتنا اليومية، كبقرةٍ طيبة.

إن هذه المنتجات الفكرية النادرة؛ التي نلقيها، على قارعة الرصيف الرقمي، يجمعها القزم، ليصنع منها: منتجات تنبؤ عالية الربحية. تستطيع على حد تعبير زوبوف: بيع «اليقين»، بعد تسويقها في «أسواق العقود الآجلة السلوكية». هذه الرأسمالية الجديدة – رأسمالية المراقبة – دليلٌ توجيهي، على دخولنا؛ عصر الحروب الرقمية الناعمة. البرمجيات الخبيثة فيها، والهاكرز، مجرد تماثيلٍ بيانية، لا تصلح للحياة، إلا في المتاحف الرقمية.

زوبوف؛ أعلنت وبدون مواربة: موت الحلم الرقمي. كاتب هذه السطور؛ يجد العكس. إنه؛ لم يعد موجودًا، في الشبكة العنكبوتية، لتعثر عليه. أنت هو الحلم الرقمي، لمن يدير عالم النت. الحلم الرقمي، هو أنت؛ بطته، وبيضته الذهبية.

يزداد خطر حبسك في جسد البطة الذهبية، لأن الكبار الخمسة الرقميين: ميكروسوفت، وأمازون، وآبل، وألفابيت (جوجل)، وفيسبوك، يقدمون لك؛ كل دقيقة تقريبًا، تطبيقًا جديدًا. الخمسة، حولوا، الشبكة العنكبوتية، إلى ماكدونالدز، للوجبات الرقمية. كمثالٍ قديمٍ جدًا، بمعايير الزمن الرقمي، أصبحنا نستطيع الولوج؛ إلى فيسبوك مجانًا. نسمي ذلك مجانيةً، بتحسس جيوبنا! الحقيقة اللا مجانية: أنا، وأنت، ونحن، نسهم في: رفع قوة السوق في القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على البيانات. بياناتنا؛ صنعت ما أطلقت عليه «ثورة الثروة». لكن؛ لا يمكن لجيوب الجميع: الاستفادة منها بصورةٍ متساوية.

«أيرون مان»: دون كيشوت الطواحين الرقمية

فيلم «أيرون مان»، من الممكن ترجمته رقميًا، إلى دون كيشوت تكنولوجي، يسافر، برفقة صديقه سانشو بانزا الجديد؛ بدلته المدرعة. الغاية المعلنة أو ما يجري تسويقه: تبديد ظلمات القدر الإنساني، بكشافات النور التكنولوجي. طواحين الهواء؛ التي يستطيع «أيرون مان»، التغلب عليها، بعد إزالة – مساحيق هوليوود – هي نحن؛ تحديدًا، أفكارنا ومعتقداتنا؛ التي نتركها تحت رحمة العالم الرقمي.

كلمات الثنائي توفلر، ذات الطاقة المستقبلية، قد توفر لنا، فرصةً نادرة، لتعرية «أيرون مان»، من ورقة التين؛ التي تغطي تفسخ الحلم الرقمي. هي تفضح ببشاعةٍ؛ كونه: قاعدة بيانات على بعد آلاف الأميال (1)، تسهل مهامًا، عسكرية وتجارية، تروم: الاستنزاف الإيجابي والسلبي للعقل (2). نية الاستنزاف، تصبح هوسًا، بسبب: انتشار المعلومات والبراعة (Know-How (3.

نسختنا على الشبكة العنكبوتية، وبأطوارها المتعددة: البقرة الطيبة، والبطة الذهبية، والطاحونة؛ أكثر تعقيدًا منا. جذر التعقيد، إننا في العالم الرقمي، صادقون إلى حد اللعنة. هذا الصدق اللامعقول يتيح كمثالٍ غير نادر، إمكاناتٍ هائلة، للمشتغلين بالبروباغاندا، تتيح لأدواتهم البشرية من: المتنمرين الإلكترونيين (Cyber Bullies)، الأقزام الرقمية التي تسفه آراءك على النت (Trolls)، والذباب الإلكتروني، المنتشر بكثرة في الأحراش الرقمية العربية، أن يخلقوا صورًا حقيقية، لأشخاصٍ لم يولدوا على الأرض، وتغريداتٍ لهم، تجذب المتابعين الرقميين، بآلاف مؤلفة، ينالون منك إن اعتديت على هذا الكمال الرقمي. هو يرتقي إلى مصاف الكمال، لأننا وبحسب موقع «وايرد»، نكشف لمشغلينا الرقميين، عن صدقنا السلبي: التحيزات الإنسانية الأكثر عمقًا.

الصيادون والطرائد الرقمية

حياة الغرب الرقمية، قلصت دور القانون الدولي، في تحقيق العدالة الرقمية. مثلًا؛ حقوق العهد الدولي؛ السياسية والمدنية؛ التي اتفق عليها، في 1966م- المادة 17. تقول: لا يجوز التدخل بشكلٍ تعسفي أو غير قانوني بخصوصيات أحد أو بعائلته أو بيته أو مراسلاته.

الأمثلة الواقعية، على الوفاة القانونية، للمادة 17، لا يمكن إيجادها بسهولةٍ، في العالم الرقمي العربي. شاءت الصدف، أن تكون صحيفة محلية عراقية، مثالًا نموذجيًا؛ فتحت عنوانٍ، (أصله مكتوبٌ باللغة الإنكليزية)- معلومات لياهو وجوجل: هناك فأرٌ يحفر في بيتنا الإلكتروني- اشتكت الصحيفة، إن هنالك مقالاتٍ لكتابٍ عرب، تناولوا قضايا إسرائيلية، وسورية، باتت تصل، كروابطٍ إلكترونية، لا يمكن تصحيحها بالمرة. الصحيفة؛ سألت عرضًا: هل نحن صحيفةٌ إرهابية؟

إذا عربنا بعض ما قيل عالميًا عن المخاطر الرقمية، لقلنا: إن هذه الصحيفة، وبعضًا من المثقفين العرب، ربما قد تم تصنيفهم؛ رقميًا، ضمن فئات عالية المخاطر؛ فالبيانات الضخمة، ولكي يجري تعدينها بصورة دولارات، يجب أن تصنف في فئاتٍ عديدة، لجذب الزبائن. اليوم، مجرد بحثك عن مواضيع محددة، بواسطة محركات البحث، يدخلك في حمامٍ تصنيفي؛ من السهل دخوله، لكن خروجك منه، يحتاج معجزةً رقمية. إن نجحت في أخذ قرارٍ قضائي، بتعديل معلوماتك أو إزالتها، يحق لشركات – وسطاء المعلومات – أن تحتفظ بما اشتقته عنك من بيانات. الإرهاب، زاد المشهد تعقيدًا. ولد، صناعةً شديدة التنافس؛ الصناعة الأمنية. هي؛ لا يمكن أن تجني أرباحًا كافية، ممن يتم دمغهم بالإرهاب، من منظماتٍ وأفراد. يجب أن ينضم إليهم: مخربون أكاديميون، ومحرضون ثقافيون…إلخ من الفئات الرقمية، سيئة الحظ. هذه الصناعة، والتي غالبًا ما تستفاد، من أدبيات التعاقد المائعة، في شراء البيانات الضخمة، ستدعم كمثالٍ، شركات المحمول الأمريكية، بالاستمرار في بيع بيانات الموقع الجغرافي. لن تسمح مطلقًا، بتوقف إمدادها، بإحدى أهم المواد الأولية الرقمية.

دروع تقنية ونقاط ضعف سياسية

تنشغل أعدادٌ متزايدة، من المواقع الإلكترونية العربية، والكتاب المحترفين والطموحين، بتحسين حضورهم على الشبكة العنكبوتية. عملية التحسين هذه، يطلق عليها Seo. جوجل؛ الذي يحتل صدارة محركات البحث، قادرٌ على إعطاء، قبلة الحياة الرقمية، لنتاجك، وفق شروطٍ معينة. أهم الشروط: الحصرية. كلما كانت كذلك، برز رأسها في الإنترنت، أما النقل؛ فيسبب الغرق إلى قاع الشبكة. هذه الفروسية الرقمية، لمحرك البحث الشهير، تبدو ناتجًا عرضيًا، تمليه، مسائل تقنية. جوجل من المدمنين على تبديل الخوارزميات. بعد 2011، قامت جوجل، وبحجة الرداءة، والضعف، والتكرار، باجتثاثٍ رقمي، لكثيرٍ من المقالات على الشبكة. نسأل وبما يخص عالمنا العربي: كيف يمكن تحديد المقالات الرديئة؟

المراقبون، أشروا على جوجل، التحيز؛ تجاه المقالات الطويلة؛ ذات الألف كلمة تقريبًا. هذا التحيز التقني، قد يتناسب عكسيًا، مع زيادة أعداد المواضيع القصيرة، المناسبة لزيادة ساعات استخدام الهواتف الذكية. أيضًا مسألة روابط المواقع، ووصلاتها الخارجية، باتت تتطلب من منتج المحتوى، الاستعانة بروابطٍ ذات مصداقية تقنية، هذا ما نفهمه على الأقل.. إذ من غير المعقول أن يكون الهدف، معرفة التحيزات الفكرية!

هذه الدروع التقنية للشركات الرقمية، تسقط سريعًا كأقنعةٍ، في الحروب الإعلامية، بين القوى العظمى، والتي تبحث عن التوازن الرقمي. عميد الدبلوماسية الرسمية للروس؛ الوزير لافروف، عاب نطاق التعاون العنكبوتي الضيق؛ الذي يتحرك فيه – الشركاء الغربيون – مفسرًا: لا يريدون إشراك دول مثل الصين وروسيا في هذه الجهود الرامية إلى صياغة القواعد والإرشادات العامة لشركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى. الوزير وربما، كي لا يسمح لدرع اللغة الدبلوماسية، بتضييق نطاق المعنى السياسي، حذر من الأنانية الرقمية للغرب، والتي تحاول برأيه، فرض الصورة التالية: إن التهديد الإرهابي ناتج عن سياسة ما تسمى بالأنظمة «السلطوية» في إطار مكافحة التطرف، هو أمرٌ خطيرٌ للغاية.

قوات «سوات» عنكبوتية تكعب تحديات رقمنة الفكر العربي

جاريد كوهين، المطعم بأفكار الأمن القومي، وبخبراتٍ في إدارة الحكومات الأمريكية، هبط في أحضان جوجل؛ سنة 2010. لم يمر وقتٌ طويل، حتى أسس قوات «سوات» رقمية، تسمى Jigsaw، لمكافحة الإرهاب. كالعادة، في مثل تعريفاتٍ مطاطية كهذه. بدأت لائحة مهامها بالتضخم: سوء استخدام الشبكة، ومكافحة المعلومات الخاطئة، وانتشار مقاطع الفيديو لنظريات المؤامرة على اليوتيوب… وإلخ.

نجحت قوات «سوات» جوجل، بإعدام الحياة الرقمية، للراوي الشهير، لنظريات المؤامرة؛ أليكس جونز. نظريات المؤامرة، رغم سذاجة ربط المعلومات، وطريقة التحليل، توفر سياقًا لفهم صراع الأجندات الدولية. نظريات المؤامرة لن تموت؛ بإعدامها الرقمي، لكن إعدامها، سيقلل القدرة على وضع العالم في سياقٍ متماسك!

سلاح الدمار الشامل الرقمي، الذي انتجته «سوات» جوجل، كان مبادرة إعادة التوجيه. منهجية المبادرة، وبحسب توضيح Jigsaw، تستهدف الشرائح الأكثر عرضة للتأثر بخطابات «داعش». نسأل: من في المنطقة العربية لم يتأثر سلبًا أو إيجابًا بخطاب هذه المنظمة الإرهابية؟ غير اللطيف، إن هذه المبادرة، مفتوحة للأفراد والمنظمات، كي يضيفوا ويعدلوا فيها. باختصار: تحويل تحيزاتنا العقائدية إلى وشاةٍ رقميين.

تزداد تكعيبية المخاطر الرقمية؛ التي تترصد الفكر العربي، إذا ما علمنا، أن نسبة المحتوى الرقمي العربي، لا تتجاوز أصلًا، عتبة الـ1%. هناك واقعٌ مريرٌ آخر، يسبب نبذ الفكر العربي، من المشاركة الرقمية، في الأحداث والأزمات المهمة. الحياة الرقمية النشطة؛ في العالم العربي، يغوص قسمٌ كبيرٌ منها، في عالم «السوشيال» ميديا، تعتمد على الأفراد العاديين. عند الأزمات، العاديون؛ يبحثون دائمًا عن أفضل أصبع ديناميت، لتفجير مظالمهم. المشاركة الفكرية النخبوية، في تفجير المظالم، تطيل فتيل أصبع الديناميت؛ الذي يحرص العاديون على جعله قصيرًا جدًا. العادي؛ يود تفجير الجميع. النخبوي؛ يود صنع سفينة نوح، قبل تفجير الجميع.

هناك أيضًا لوحةٌ ديمغرافية، يتميز بها عالمنا العربي. هذا العالم، تقطنه نسبة كبيرة، من الشباب، تحت الثلاثين. قسمٌ كبيرٌ منهم، متعدد المهارات الرقمية. إدمانه الرقمي، يجعله قادرًا على قياس قوة رياح التغيير؛ التي تنطلق خيولها من حظيرة المجتمع الدولي. هو يستطيع ركوبها سريعًا. يفكر طوباويًا: لأقتل الحاضر الظالم، عسى أن أنال بوصةً من المستقبل الغامض.

ما تقدم؛ قد يستطيع إعطاء صورةٍ تقريبية، عن افتقاد الفكر العربي، لتأشيرة القبول الرقمية، في كثيرٍ من المنصات الإعلامية في المنطقة. الأنظمة السياسية العربية تخشى من حرائق رقمنة الأفكار وشهية الإعلام، تلك الشهية التي حذر منها الزوجان توفلر، ومن قدرتها في العالم السياسي: ستصبح الدعاية ووسائل الإعلام التي تساعد في صنعها قادرةً على صنع أو فك التحالف (4).

لكن يجب عليها أن تعرف، إن استقرارها السياسي، بات يعتمد، وبالتصرف في كلمات رئيسٍ سابق للمخابرات الفرنسية، على جعل: رقمنة الفكر العربي، المحك للسياسة في الداخل والخارج. وأصبحت فاعلية الموارد الرقمية، هي اختبار عباد الشمس بالنسبة للعرب في عيون العالم (5).

الهوامش:

(1)- [آلفن وهايدي توفلر، الحرب وضد الحرب، ص243-244].

(2)- [المصدر السابق، ص190].

(3)- [المصدر السابق، ص190].

(4)-[المصدر السابق، ص217].

(5)- [الكونت دي مارنشيز وديفيد أ.اندلمان، الحرب العالمية الرابعة/دبلوماسية وتجسس في عصر الإرهاب، ص371].
أصل الكلمات التي تم التصرف بها: صارت الأموال هي المحك للسياسة السوفيتية في الداخل والخارج. وأصبحت فاعلية التكلفة هي اختبار عباد الشمس بالنسبة للسوفييت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد