«الملحد المجهول خير من الملحد المسحول»

في يوم الأربعاء الموافق 16 سبتمبر (أيلول) لعام 2020م، صرحت الدكتورة آمنة نصر، أستاذة الفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر أن عدد الملحدين في مصر يقدر بـ4 ملايين ملحد، كما أشار وزير الثقافة المصري الأسبق حلمي النمنم إلى أن عدد الملحدين في مصر يقدر بالملايين، مشيرًا إلى ضرورة تصدي الأزهر الشريف لمثل هذا التزايد في الوتيرة ولضرورة حصر الأعداد الحقيقية والأسباب التي أدت إلى مثل هذه النتائج؛ كما أضاف متعجبًا ومنبهرًا ومذهولًا ومخضوضًا: « هل فَشلنا (والعياذ بالله) في تقديم الدين الإسلامي بشكل صحيح لهؤلاء الناس؟»

وبالطبع تلك الأرقام تُعد صادمة نظرًا لنقطتين يجب وضعهم بعين الاعتبار؛ النقطة الأولى هي أن مصر كانت الدولة الأكثر تدينًا في العالم في عام 2009م؛ بنسبة تقدر بـ100% فرد مؤمن؛ وذلك وفقًا لاستطلاع معهد جالوب، والنقطة الثانية الواجب وضعها بعين الاعتبار هي أن دراسة لجامعة «ميشيجان الشرقية» في عام 2011م، إبان ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، كشفت عن وجود 3% ملحدين في مصر ممن هم مُعلنين عن هويتهم فقط، ناهيك عن المتخفين الذين يأبون أن يظهروا هويتهم خوفًا من المبالغة في رعاية الدولة وحبها وتقبُل الخلفيات المختلفة عنها المحيطة بكل زاوية في البلاد، وهذه الاستطلاعات المتراكمة والمتتالية تطرح علينا الكثير من الأسئلة الشائكة التي تستوجب ردودًا في مستوى شوكيتها نفسه؛ ففي البداية دعنا نتساءل عن سبب هذا التحول الغريب المُنبثق من اللاشيء في غضون سنتين فقط من 2009 إلى 2011؟ كيف تحول الشعب المصري من شعب 100% تديُّن؛ إلى شعب اثنان أو 4 ملايين ملحد!، ولكن قبل البحث عن الإجابة وجب علينا أن نفحص عقلانية السؤال من الأساس؛ فهل انبثاق 4 ملايين ملحد يعد أساسًا راسخًا لكي نبني عليه سؤال: « كيف حدث هذا التحول؟»، لم يكن هذا الانبثاق انبثاقًا من الأساس لكي نبحث في أسبابه، فالملحدون في مصر لم يظهروا بين ليلة وضُحاها، ولكنهم كانوا موجودين بين الجدران وفي زوايا كُل الشوارع المعروفة والمجهولة، في قلب كل منزل وُجد ملحد يلهو بين الصلوات ويتشارك الصيام في صالة المنزل بينما يتناول ما تيسر له من بواقي الطعام في مخابئ حجرته، إن وجود اللادينيين أو الملحدين كان يفرض نفسه على المجتمع المصري منذ قديم الأزل ولكن بناء على الوضع الذي فرضه المجتمع بتقاليده وعاداته وقيوده، والذي فرضته الدولة اتساقًا مع كلبشات الأغلبية الساحقة في البلاد، اضطر الملحد إلى السير على مبدأ يقوم على أن: «الملحد المجهول خير من الملحد المسحول»، تلك كانت الشفرة المقدسة لدى اللادينيين ليحاولوا حجز مقاعدهم بين حشود الأحياء؛ بدلًا من تشريف الأموات في مقابرهم نظرًا لفرط التعاطف والتقبل الموجه إليهم من قِبل الدولة والمجتمع.

وامتدادًا لهذه الكلمات وجب علينا أن نتساءل وبذهول أيضًا ونقول: بناءً على أي ظروف ومؤهلات إجتماعية كان يتساءل وزير الثقافة الأسبق حلمي النمنم ويقول « لماذا ليس هناك استطلاع لعدد الملحدين؟ »، هذا القول أشبه بأن تُكبل يد أحدهم ثم تسأله بذهول: « لماذا لا تستطيع تحريك يديك؟»، لقد وفرت كل المقدمات التي تؤدي إلى النتيجة أ؛ وهي الخرس، ثم تساءلت وبذهول عن عدم وجود النتيجة ب؛ التي هي حرية التعبير، مفاد هذه الكلمات هو التنظير لفكرة عدم وجود انبثاق للملحدين في المشهد المصري، ما حدث كان انبثاقًا لشجاعة الملحدين ومجازفتهم بالظهور على العلن حاملين آراء مخالفة تمامًا لما يعتقد به الوسط المحيط بِهم، وإن كنت لا زلت تتساءل عن عدد الملحدين أو عن هل ما حدث كان ظهور للملحدين أم ظهور لِفكر كان موجودًا بالفعل ولكنه ظهر للعلن، فاسأل نفسك لوهلة عزيزي القارئ وتذكر أنه في ظل كومة التعتيم وفرض القيود والحِجر على حرية التعبير ظهر للعلن 4 ملايين ملحد، فكم تعتقد سيكون العدد تحت سقف يضمن للفرد حرية التعبير فضلًا عن حرية التفكير؟

«ما الحل؟ أنت تسأل والمصطبة تجيب »

والآن وبعد الإسهاب عن وجود اللادينيين في المجتمع؛ دعنا نتحدث عن أسباب هذا الوجود، لماذا تلك الظاهرة موجودة؟ هل قدمنا الدين الإسلامي بشكل غير صحيح كما أشار الأستاذ حلمي النمنم؟ هذه البداية التي بدأها الأستاذ حلمي هي بداية خطأ كي نطرح حلولًا مثمرة تفتح لنا طاولة النقاش فضلًا عن تحليل الظاهرة، فلقد تساءل الأستاذ حلمي عما إذا كنا قد قدمنا الدين الإسلامي بشكل غير صحيح، افتراضًا منه بصحة الدين الإسلامي وبخطأ الطرف الآخر قبل بداية الحوار من الأساس، وهذه ليست إشارة إلى كون الدين الإسلامي صحيح أم غير صحيح كمنظومة عقائدية، ولكن كيف تتوسم في خلق حوار متماسك مع أفراد وتوجهات أنت من الوهلة الأولى تفترض خطأهم؟ هذه البدايات التي تتلخص في المَثل القائل: «بداية القصيدة كُفر»، كيف نتوسم في خلق حوار متمدن يقوم على أسس عقلانية وتقدمية مع فئة نحن نُقر بخطئها من الخطوة الأولى؟ هذه الحلول الهشة هي الوجه الآخر للعُملة الفاسدة التي يتناولها أغلب المؤمنين في حواراتهم مع اللادينيين، حلول من نوع: «الملحد ده ألحد علشان شهواته، الملحد ده ألحد علشان عايز يشوف ربنا، الملحد ده مقراش في الدين كلمتين على بعض، الملحد ده مريض نفسي، الملحد ده محتاج يصلي ويقرب من ربنا، الملحد ده الشيطان لاعب في عقله، الملحد ده بيعند وخلاص، إلخ »، كل هذه أقاويل وتبريرات تهدف إلى تحقيق مشهد واضح وصريح ألا وهو أن الملحد عبارة عن شخص هش ذي فِكر خطأ لا يُعتد بِه ولا يستحق أن يُنظر له بعين الاعتبار، والسؤال هنا هو كيف يمكننا افتراض خطأ الطرف المناظر ثم نبادر بالحديث عن محاورة أو مناقشة صالحة ومثمرة تقوم على الأطروحات والبناءات المنطقية السليمة؟ لماذا لا نسمح بسباحة العقول عوضًا عن تبادل الإهانات والطعن في شخص الطرف الآخر بدلًا من تفنيد أفكاره وتناول استدلالاته؟ لماذا لا يُترك الميدان للشخص الألحن بحُجته سواءً كان مؤمنًا أم ملحدًا؟ والشوط الثاني لتلك الرحلة التعيسة من التخاذل والإنكار ـ  سواء لوجود الملحدين أو لوجود أفكارهم ـ هو متصدرو المشهد للحوارت الدينية، وهنا أتحدث عن أشخاص على شاكلة أحمد سبيع وهيثم طلعت وعبدالله رشدي وإياد قنيبي – مع حفظ الألقاب طبعًا – أمثال هؤلاء المناظرين هم سبب الفقر في المشهد المتدين الذي كان يتميز دومًا بالحُجة المُمنهجة والسلسلة، تلك السلاسة في الطرح والقوة والبراعة في الإلقاء لا نراها سوى عِند الأشاعرة والمعتزلة والقرآنيين ـ ملحوظة: الأشاعرة والمعتزلة والقرآنيون هم فرق إسلامية مختلفة التوجهات والآراء اعتمدت على الفلسفة في تأصيل علوم الدين ووضع أساس عقلي راسخ له ولطالما تميزوا بالبراعة في الإلقاء وبطرح الحُجج المُبتكرة ـ أمثال أحمد سبيع وهيثم طلعت وعبدالله رشدي وإياد قنيبي هُم من تصدروا المشهد الحواري في الآونة الحالية فتصدرت معهم الهرطقات والهشاشة في الأطروحات، أطروحات مِثل « إنت مين اللي خلقك؟ الخلية الأولى دي جت منين؟ إنت يبني مش شايف الشمس طالعة هي والقمر قدامك! »، أنا لا أهاجم الأطروحات بعينها بل أعارض أسلوب السرد بذاته، فأسئلة مِثل « إنت مين الي خلقك؟ الخلية الأولى دي جت منين؟ » في المنطق والفلسفة تُسمى بالدليل الكوزمولوجي أو الدليل الكلامي أو دليل الحدوث والإمكان، كل هذه مسميات مختلفة ولكلٍّ منها سرد مختلف ومُنظم ومُرتب للغاية، وتلك الأدلة واجهت النقد ثم عادت بالرد ثم واجهت النقد ثم عادت بالرد وهكذا، هذه هي صيرورة الحوار، وهذه الصيرورة لا يُمكن بناؤها على أسلوب حوار عام يتحدث عن « ساعة الظهرية وساعة المغربية وشروق الشمس وغروبها » عوضًا عن الحديث عن «دليل الضبط الدقيق» الذي يتميَّز بسرد مُنظم قابل للفحص والنقد والتحليل والنقاش، أما كلمات المصاطب مقامُها المقاهي والحواري، وكل مُحاور يتحدث بما يليق بمستواه الفكري، فأنت بكلماتك تعد امتدادًا وتجسيدًا لأفكارك ومدى توسع مداركك، وهذه الكلمات تشمل الملحدين أيضًا أمثال شريف جابر ومن على شاكلته، فهل ترغب يا رفيقي العزيز الموقر أن تستمر في التدحرج «من نقرة لدحديرة» وسط عشوائية المصاطب؟ أم تريد أن تلهو بين الفلسفة والمنطق والعقلانية وأن تتحلى بخيوط النظام لكي تبني فِكرًا مستنيرًا يؤهلك لبناء قاعدة فكرية سليمة فضلًا عن تأهيلك لخوض الحوار والنقاش بغض النظر عن قناعاتك وتوجهاتك؟ ففي سوق الأفكار، كل مصطبة تُعبر عن رعاعِها، وكل منصة تعبر عن مفكِريها .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد