كان مطلب العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروات مطلبًا أساسيًّا من مطالب الثورة، مطلب تم مكافحته بقوة وضراوة من شلل المصالح والمنتفعين في هذا البلد. أتفهم بالمناسبة وبشدة مدى صعوبة واستحالة إقناع شخص أن ما يتقاضاه من أجر يزيد عن حاجته بمراحل شتى. وأتفهم أكثر ضراوته في القتال ضد مطلب تقنين راتبه، الأمر الذي أعتبره حقًّا مكتسبًا له طيلة السنين الماضية.

الثورات بالمناسبة لا تطلب ولا تستسمح ولا ترجو. فقرارتها حاسمة وباترة وفورية. ولأن ثورتنا لم تكتمل. ولم تحكم ساعة واحدة. فالوضع الطبيعي هو ما يحدث الآن. محاولات تدجين الطلبات الاجتماعية ومراوغتها هو أمر تبرع فيه الثورة المضادة. لكن لا تفلح به على طول المدى.

القرارات المؤقتة التي تُعلن لامتصاص المطالب الجماهيرية ثم يتم سحبها بخفة واحدًا تلو الآخر بقانون أو أعذار أو حتى تبرم أصحاب المصالح هي مرحلة أخرى من الكر والفر. ستنتهي إن آجلًا أو عاجلًا لأن الأصل في الحكم هو المنطق. والمنطق والصواب في جانب وضع أسس للعدالة الاجتماعية. ويأتي الحد الأقصى للأجور كواحد من أهم عشرات الأسس التي ينبغي إقرارها. المنطق يقول إن من يربح أكثر يدفع ضرائب أكثر، وهو غير مطبق في بلادنا الرشيدة.

المنطق يقول إنه لا يجوز أن يتقاضى شخص أو مجموعة رواتب توازي ميزانية دويلة صغيرة لأي سبب كان. وهو ما يحدث في بلادنا الرشيدة. المنطق يقول إنه على الدولة رفع الدعم عن كافة المصانع الربحية وهو ما لا يحدث أيضًا. وغير ذلك عشرات من الطلبات المنطقية التي تمارس الدولة عكسها بكل أريحية وصلف.

الحد الأقصى للأجور في اعتقادي هو أهم كثيرًا جدًا من الحد الأدنى. فهو يوفر فائض أموال يمكنك به وضع حد أدنى مناسب دون ثقل على ميزانية الدولة. لا أنكر سعادتي حين قرأت عنوانًا مماثلًا منذ عام مضى رغم تشككي في إمكانية تنفيذه.

قرار جمهوري يحدد 42 ألف جنيه حدًّا أقصى للأجور للعاملين بالدولة.

المصري اليوم – الخميس 3 يوليو 2014

وقد جاء في القانون (ربما لأول مرة) تحديد ما يتقاضاه الموظف (بكل ما يتقاضاه من أجر أو مرتب أو مكافأة أو حافز أو أجر إضافي أو خلافه) بحيث لا يزيد إجمالي كل شيء عن 42 ألف جنيه.

قديمًا كان يتم التحايل على هذه النقطة بكلمة (أساسي المرتب) الذي في الغالب يكون ضئيلًا ولا يساوي شيئًا. ربما بسبب هذه التفصيلة تفاءلت. وتابعت عناوين الجرائد في سعادة لم أخفيها، لكن نص القانون استثنى من الحد الأقصى الهيئات الدبلوماسية والتجارية بالخارج!!! والاستثناء لأي سبب يفتح الباب للمطالبة بالمثل.

بدء العمل بالحد الأقصى للأجور رسميًّا. و«البنوك والبترول والقضاء»: ملتزمون بقرارات الرئيس

الوطن- 24 يوليو 2014

الملفت في الخبر السابق وتفاصيله أن كثيرًا من الهيئات المعروفة أساسًا بتجاوزها الحد الأقصى بمراحل أكد أنها لا تتجاوز الحد الأقصى المقدر بـ42 ألف جنيه بأي حال من الأحوال!!!

– قطاع البترول، قال المهندس محمد حسانين، رئيس الشركة المصرية لتوصيل الغاز الطبيعي للمنازل «تاون جاس» إن قرار الحد الأقصى للأجور يتم تطبيقه بالفعل على العاملين بالقطاع، موضحًا أن مرتبات العاملين بشركته لا تصل إلى القيمة المحددة وفقًا للقرار.

– وفي السلك القضائي، قال المستشار حسام عبد الرحيم، رئيس مجلس القضاء الأعلى رئيس محكمة النقض، إنه لا يوجد بين القضاة من يتجاوز الحد الأقصى للأجور والمحدد وفقًا للقانون بـ42 ألف جنيه شهريًّا.

– وفي قطاع الاتصالات أكد الدكتور أشرف جمال الدين، رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للبريد، أن الهيئة ملتزمة بتطبيق الحد الأقصى للأجور على مستوى جميع قيادات الهيئة، مشيرًا إلى أنه لا يوجد بالهيئة أي مسئول يتجاوز دخله الشهري الحد الأقصى للأجور.

ورغم هذه التصريحات امتنعت جهات قضائية وفي النيابة العامة والداخلية وبعض البنوك عن تقديم كشف برواتب موظفيها حسب تصريحات الجهاز المركزي للمحاسبات !!!!!!

تقرير للمحاسبات: الرئاسة والوزراء والجيش طبقت الأقصى للأجور.. والداخلية والنيابة تماطلان في تقديم كشوف الرواتب

الأهرام في 18 يونيو 2014

حيرة الحد الأقصى الأهرام 2 يوليو 2014

لكن الدستور سربت خريطة برواتب القضاء في يونيو 2014.

الدستور الأصلي ينشر خريطة مرتبات القضاة

عناوين الجرائد والمواقع الإخبارية إن تبرز شيئًا. فهي تبرز حالة التخبط والتمرد على سلطة الدولة من أجهزة داخل الدولة نفسها. لكن لأن (إحنا الناس الباطل بتاعها لازم يكون قانوني) وفقًا لعادل إمام في طيور الظلام. بدأت الدعاوى القضائية تُرفع لإلغاء الحد الأقصى على فئات معينة.

فتوى إعفاء «المصرية للاتصالات» من «الحد الأقصى للأجور» تسرى على جميع الشركات المساهمة

الشروق 6 فبراير 2016

مجلس الدولة يستثني القضاة ورجال النيابة من الحد الأقصى للأجور

مصر العربية 18 مارس 2015

القضاء الإداري يلغي قرار رئيس الوزراء بخضوع بعض البنوك للحد الأقصى للأجور

اليوم السابع 16 يونيو 2015    

فعليًّا الحد الأقصى للأجور لم يطبق على نسبة ضئيلة جدًّا والتي لم تكمل ستة أشهر حتى أخذت أحكام بالإعفاء. تظل أصواتنا مطالبة بالعدالة الاجتماعية. وتظل الدولة تحابي رجالها وتحمي رفاقها وحملة مباخرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

جريدة المصري اليوم
جريدة الأهرام
جريدة الشروق
موقع اليوم السابع
موقع مصر العربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد