من الجيد أن نرى مثل هذه النوعيات من السينما، فهي تمثل بالنسبة للكثيرين كل معاني الرقي في تقديم العمل الفني، هو فيلم خالٍ تمامًا من أي مشهد مخل أو كلمة غير لائقة، فقط ادخر المجهود الذي كان سيبذله في تلك المشاهد، لكي يوظفه في إيصال الفكرة بشكل أفضل.

نحن هنا لسنا بصدد التحدث في هذا الشأن أو التطرق إلى التحليل الفني، فإننا هنا لسنا بنقاد سينمائيين أو محللين، فقط وددت أن ألقي الضوء على فكرة شاردة عن أذهان الكثير من المنتجين والمخرجين الذين تقترن فكرتهم عن نجاح أي عمل فني بالإسفاف، شكر الله سعيكم!

تدور قصة الفيلم بأن الأرض قد اجتاحها فساد ودمار هائل، تسبب في موت البلايين من البشريين، فضلا عن ظهور فايروس جديد وظيفته إتلاف الدماغ ولا يقدر على إيقافه أي علاج أو طبيب! وفي ظل كل هذا الدمار ظهر جيل جديد قادر على التكيف ومقاومة هذا الفايروس، ففكر العلماء في دراسة تركيب أدمغتهم كي يتمكنوا من معرفة سبب ذلك التغيير.

تم إرسالهم لمكان لم يسبق وأن وطأ فيه قدم بشري، مكان موحش وفارغ، يسمى المتاهة. بجانب هذه المواصفات فكان يحتوي على وحوش تسمى الجريفرز، وهي غير قابلة للقتال، إن رأيتها، إما أن تقتلك، أو تقلل من عذابك فتلقي بنفسك إلى الميتة الرحيمة. كان موقفهم متأزمًا بحق، وسبب ذلك أن العلماء أرادوا دراسة تصرفاتهم في أحلك المواقف ليسهل عليهم البحث.

 

كان هذا سردًا فنيًا سريعًا لمجريات وأحداث العمل الفني، ولكن.. هل هذا بحق ما جئنا للتحدث بشأنه؟! لا..

 

نحن هنا لدراسة الإسقاط، إسقاط هذا الموقف مع موقف مشابه تمامًا في حياتنا اليومية المعاصرة.. موقف يتكرر تلقائيًّا ونرى حتمية نتائجه، فنحن هالكون لا محالة، والأدهى أننا لم نسمح حتى بدراسة تركيب هذا الجيل، فنحن نجره واحدًا تلو الآخر إلى النتيجة الحتمية التي واجهها كل من سبقه، الهلاك!

أوشكت على اليقين بأن هناك أناسًا – وإن صح توصيفهم – خلقوا فقط لنشر هذا الفايروس القاتل، الفايروس الذي هو بصدد – إن لم يكن بدأ بالفعل – بقتل كل شاب طامح!

التعزيز السلبي هواية للبعض، وموت بطيء للبعض الأخر، فهو تحول من كونه صفة ذميمة خاب كل من اتصف بها، إلى طريق ينتهجه البعض ولن أبالغ إن قلت ينتهجه أكثرنا في حياته، فالفكر أصبح جريمة! فكيف تفكر، وأمامك أسهل الطرق؟ كيف تفكر، وأنت تعلم نهايتك؟ كيف تفكر وتحيد عما لقيه سابقوك؟! كلا، فأنت مقرر لك مصيرك، أن تركب سفينتنا وتبحر إلى حيث نعلم وتعلم، نبحر إلى حيث المصير المعهود، نبحر إلى حيث نموت ويُخلق من بعدنا جيل ينتهج نفس النهج من السفن التي لا تسلك إلا ذلك الطريق العفن، الذي هو بمثابة دائرة مفرغة، كل من يسلكه يعود إلى حيث أتى، فهو يحيا ويعيش دوره حياته باحثا فقط عن مأوى ومأكل وزوج وحائط ليسير بجواره!

 

إن أردتم أن تحيوا كـ(جالي)، فهنيئا لكم دائرتكم المفرغة محتومة المصير، ولكني اخترت أن أعيش كـ(توماس)، أن أغامر بوجودي من أجل إيجاد مخرج لحياة تحرض على المثالية، أفضل بكثير من أن أحيا حياة عاشها غيري وشهدت نتائجها العقيمة!

اعترضوا وألقوا بأوصاف كما تشاؤون، فحديثكم يعرف مساره جيدًا، يدخل من أذن ليسير بسلامٍ في طريق مستقيم ليقابل الأذن الأخرى فيخرج ليعود إلى حيث جاء! وفروا طاقاتكم، فلا وقت لتضييعه في سماعكم. اذهبوا فمارسوا هوايتكم مع غيرنا، أو وفروا طاقاتكم ليوم تغرق فيه سفينتكم حتى قبل أن تصل إلى بركم المحفوف بالهلاك!

 

اعقد نيتك، فهي حياة واحدة، لتكن في سبيل الله، عشها كعابر سبيل، ابحث عن المثالية وطبقها على واقعك، لا تشكو قبل أن تعمل على الإصلاح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد