منذُ فترةٍ طويلةٍ انتشرت مَقولةٌ لا يُعرفُ من ابتدعها ولا أولَ من قالها، كما لم أضع إصبعي على المغزى المقصود منها، ولم أر في إحاطتها أي ناهيةٍ شرعيةٍ أو قانونيةٍ أو مجتمعية، بالعكس فإن الكثيرَ من الشواهدِ المكتوبةِ والمروية صاحبت المقولةُ التي هي محور حديثنا «أعوذ بالله من كلمة أنا»، والـ«أنا» تحديدًا في مواضعها تأتي في محلاتٍ منها المديح، ومنها الهجاء، ومنها من التزلفُ والخضوعُ، خاصة في النجوى إلى الله، أو قد تأتي في محل وصفٍ أو للدلالةِ والتوكيدِ والتوثيق وغيرها من المقاصد.

إن استعمالَ الـ«أنا» على وجهها الأصلي ومقصدها الواضح للجميع في التعريفِ أو لدلالةِ الإنسان على نفسهِ، يأتي من ضرورات اللغة ومقتضيات الخطاب التي لا يكاد أن يَستغني الناسُ عنها في معايشهم وتحاورهم، ومثل هذا اللفظِ لايمكنُ بأي شكلٍ من الاشكال أن يُذم لذاتهِ أو يَردُ في الشرعِ شيءٌ في منعهِ. وإن كانَ القصدُ مِنها دينيًّا اقتباسًا من قولِ إبليسْ: «أنا خير منه»، أو كما قالَ النمرودْ: «أنا أُحيي وأُميت»، وكذلك كما قالَ فرعونُ: «أنا ربكم الأعلى»، فإن ذلكَ قد جاءَ تفنيدهُ في قولِ موسى كليمُ الله: «وأنا أولُ المؤمنين»، وقال قبلهُ إبراهيم خليل الله: «وأنا على ذلكم من الشاهدين»، وقول نبينا الكريم: «أنا النبي لا كذب»، وإبليس كاذِب وفرعونُ والنمرودُ كذلك، ورسل الله هم الصادقون. فـ«الأنا» التي نَقولها يوميًّا في مُعاملاتنا مع البشر ليسَت بالضرورةِ أن تكون هي ذاتها «الأنا» الإبليسية ولا «الأنا» النمرودية ولا الفرعونية، إنما هي «الأنا» التي تأتي بمحل الدلالةِ الشخصيةِ للمتكلم.

وأن أُخذ بأن قولها هو من بابٍ دينيٍ فما بالهم لا يقولون «أعوذ بالله من كلمة (عندي)» أو من كلمة «لي» وهن مصاحباتٍ للأنا؟ وكذلكَ: «نحنُ» و«إنَّا» وتاء المتحدث؟ وإن كانَ في الألفاظ المفردةِ ما يصحُ الاستعاذةِ منهُ فهو كلمة «لو» التي تفتح باب الشيطان وتيسرُ له مدخلًا للأفئدة، كقولنا: «لو لم نفعل كذا»، أو «لو لم نقل كذا»! يقول الدكتور الاستشاري عبد القادر دهمان: إن الـ«أنا» كلمةٌ صحيةٌ ترافقُ تعزيز الثقةِ لدى المتكلم فلا بد من قولِها بقوةٍ واعتدادٍ بالنفسِ لأنها كلمةُ احتواءٍ وامتلاءٍ وفخرٍ بالذات، وهي كلمةُ سلامٍ تبرز مدى الشفافيةِ بينكَ وبين نفسك.

ولقد انتشرتْ هذه الكلمة في الأوساط الإسلامية العربية على وجه الخصوص في المجتمعاتِ المهزوزة والملتحفةِ بالعبوديةِ الذهنية ضمن سياق أدلجة المجتمعات وتدجين الشعوب، وبالتالي سهولة انقيادهم للأعلى صوتًا أو للأقوى حضورًا وليس بالضرورةِ للأوجبِ حقًّا.

إن كلمة الـ«أنا» تكون ذاتَ وقعٍ شديدٍ وموجعة جدًّا للاستبدادِ والظلم، فلو انتهجت الشعوبُ منهجَ القوةِ والثقةِ في التعبير الذاتي عما في دواخلهم لنهضت المجتمعات وأزالت الكثير من ترسبات العبوديةِ التي ساهمتْ بالتخلفْ عن سياق التطور النفسي والمجتمعي الذي انتهجته بلاد الغرب، لذلك تُعد جملة «أعوذ بالله من كلمة أنا» وما يُصاحبها من جُملٍ ما أنزلَ الله بِها مِن سُلطان دخيلة على الدين الإسلامي، ومِن ضمن البرمجةِ العقليةِ واللوثةِ الجمعية الداعيةِ إلى الانهزام الذاتي، وأرى أنها لأشبهُ بتنطعاتِ الطرقية والصوفية وتكلفاتِهم ومبالغاتِهم في كلِ ما هو خارج عن معتادِ البَشر، ولا يمكنُ أن يلتزمهُ أحدٌ في أي مَقام. كما يجبُ تصحيحُ الكثير مِن المفاهيمِ المغلوطةِ التي تسعى لتشويه الحقائق الدينية وطَمسها بابتداع تنطعاتٍ خاليةٍ من السَند الشرعي بل حتى القانوني والمجتمعي، لذا لا بدَ أن يَعي الجميع أن الدينَ الإسلامي دينٌ قد تكاملت أركانهُ وغَطت حيثياتهُ التفاصيل المجتمعيةِ برمتِها، وأي من الدخائل المعمولةِ أو المرويةِ بخصوص الدين التي لا تستندُ للكتابِ الكريم ولا لسنةِ النبي العدنان، تُعد من المحدثاتِ، والكلُ يعلمُ أن كُل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد