بين عبارة «أنا رسبت» في الامتحان وعبارة «الأستاذ رسبني» كثير كلام وعميق تحليل. أيسر سبيل لتفسير عجزي أن أنسبه إلى غيري. إنه الإنسان، كريم هو في تقاسم مسؤوليته الشخصية مع محيطه ومع المحيطين به. نعم، نادرًا ما تلاقينا الحياة بمن يقول «أنا رسبت لأني رسبت، لكني لن أستسلم». وقد يبدو لكم الأمر طبيعيًّا، إنه مجرد تبرير بسيط، إلا أن وراء عبارة تبرير الفشل ما وراءها.

سنة 1966، خرج علينا عالم النفس «ROTTER» بنظرية وجهة الضبط أو ما يسمى «locus of control» التي جاءت في إطار نظريته حول التعلم الاجتماعي «the social learning theory» وجهة الضبط، التي يمكن تعريفها بأنها الطريقة التي يدرك بها الفرد العوامل المسببة لنتائج سلوكه، وبمقتضى هذه النظرية ميز ROTTER بين قسمين من الأشخاص، أشخاص ذوو جهة ضبط داخلي «internal control» والذين يشعرون بقدرتهم على التحكم في أحداث حياتهم وذلك نتيجة لسلوكهم وقدراتهم، أي أنهم يتحملون مسؤولية فشلهم، ومن أهم ما يميز هذه الفئة:

القدرة على تحسين إدراكهم للأداء.

أكثر تريثًا في اتخاذ القرارات.

أكثر نجاحًا في الدراسة والتحصيل الأكاديمي.

يبرزون سلوكات تؤكد على المسؤولية الشخصية.

أقل إيمانًا بالسلوك الخرافي والأشياء الخارقة.

والفئة الثانية هم الأشخاص ذوو وجهة الضبط الخارجي external control، وهؤلاء يشعرون بعدم قدرتهم على التحكم في أحداث حياتهم، وأنهم تحت سيطرة عوامل خارجية مثل الحظ والصدفة، أي أنهم ينسبون فشلهم إلى غيرهم أو إلى ظروف معينة، من أهم ما يميز هذه الفئة:

أقل ثقة في النفس ولا يستطيعون توجيه الذات.

أكثر عرضة للإصابة بالوسواس والكآبة والتشاؤم.

لا يملكون القدرة على التعبير عن مشاعرهم بصراحة.

أكثر إيمانًا بالمسائل الخرافية.

يتحدد هذا المفهوم (وجهة الضبط) حسب الأفراد، ويرتبط بمجموعة عوامل تؤثر فيه كأساليب معاملة الأسرة للفرد (قسوة زائدة، حماية زائدة، تمكين الطفل من اتخاذ قراراته…)، كما يرتبط بالمستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للفرد، إضافة إلى السن والمستوى الدراسي.

إننا أبناء هذه الشعوب العربية النائمة في ليل التاريخ والعالقة في أوحال التخلف حتى المنكبين، أننا نضرب في هذه الطائفة الثانية (المنضبطون داخليًّا) بقسط وافر. إن الفاحص ليجد أن الكثير منا يميل إلى وجهة الضبط الخارجي، فينسب فشله الدراسي والمهني والأخلاقي، إلى جهات شتى، فهذا يقول إن الغرب متآمرون علينا، وذاك يقول إن أنظمتنا هي المسؤولة الوحيدة عما نحن فيه، ولا أحد يعود إلى قرارة نفسه فيقول ماذا فعلت ليتغير هذا الواقع؟ وهذا على المستوى المجتمعي، أما على المستوى الفردي فكلنا نصير شعار «أنا ضحية الظروف» وإذا ما وجد أن حجته واهية علق فشله على الصدفة والحظ «وأنا ماعنديش الزهر».

وجهة الضبط الخارجي التي تغلغلت في عروقنا أقنعتنا أن الفشل قد يكون نتيجة عين أو سحر أو مس شيطان، أقنعتنا أن الإنسان مسير، وأن الأمور تجري بالمقادير فقط، لا حول للإنسان فيها ولا قوة، وهذا حق أريد به باطل، لقد أقنعتنا أن للأحلام نصيبًا من الواقع حتى خصصنا قنوات وإذاعات وبرامج وكتب لتفسير الأحلام، ثم جعلنا نغطي هذه التفاهات بغطاء ديني والدين منها براء كبراءة الذئب من دم يوسف، وجوابًا على كل ذلك نقول:

من المعلوم أن المحيط والظروف الاجتماعية والاقتصادية، تمارس تأثيرًا لا ينكره إلا جاحد، وقد تقف هذه الظروف عقبة أحيانًا في طريق الفرد لتحقيق نجاحاته والوصول إلى أهدافه، لكنها حتمًا لا تعدو أن تكون جزءًا من طبيعة الحياة التي لا تحلو إلا بوجود هذه المعيقات، بل وربما أن هذه الأخيرة تجعل النجاح أحلى طعمًا والقمة أرفع منزلة، وغريب أن نلصق كل ذلك بالدين على اعتبار المكانة الهامشية التي خصصها لهذه المسائل طوال سنوات تنزيل الرسالة. لقد جعل الله الإنسان حرًّا طليقًا وجرده من كل قيد أو إكراه، ولم يجعل لأي شيء سلطانًا على هذه القدرة الجبارة التي منحه إياها، وهكذا عندما تحدث القرآن عن الشيطان – على سبيل المثال- قال: «إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا» النحل.

وقال تعالى أيضًا «إن كيد الشيطان كان ضعيفًا» أما عند معرض حديثه سبحانه عن الإنسان فقد قال: «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» إبراهيم. وهنا يتجلى البون الشاسع بين قدرة الإنسان وسلطة وساوس الشيطان عليه. أضف إلى ذلك أن الله ما تحدث عن الأحلام في القرآن إلا وقرنها بالأضغاث ليبين قيمتها وكذلك بالنسبة للسحر «وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله» البقرة. وخلاصة القول أن الإسلام لم يخصص لكل هذه الأمور إلا هامشًا لا يكاد يذكر بل ولم تذكر كل هذه الأمور إلا عارضة لما اقتضته طبيعة عقلية العرب آنذاك، ولكثرة تعاملهم وإيمانهم بهذه الأمور فكان لزامًا محاورتهم بما يفهمون. وبهذا فمن نسب فشله إلى هذا محتجًا بالدين فليعلم أن حجته ضاحدة، ورحم الله الدكتور علي الوردي الذي مما ترك لنا أن الحظ مجرد عقدة نفسية.

لكل هذه الاعتبارات، يجدر بنا أن نعلم أن الدين ما فتئ يركز على العامل الذاتي في كل حركات وسكنات الفرد، ما يتطابق تطابقًا تامًا مع مفهوم الضبط الداخلي، وذلك بترسيخ مجموعة قواعد تعمل على تحفيز هذه الوجهة، كانت أولى هذه القواعد مبدأ الحرية في اعتناق الإسلام «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» الكهف. كما أن خطاب الوحي كان ولا يزال يربط بين أعمال الإنسان و مصيرهم «فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره» الزلزلة. وقال تعالى «وهكذا توالت النصوص مركزة على العامل الذاتي في النصر والهزيمة بالمعنى العرض للعبارة (هزيمة عسكرية، أخلاقية، اقتصادية، حضارية).

وجذير بالذكر أن هذا التقسيم للأفراد لا يعد تقسيمًا أبديًا لا مناص منه، ولا محيد عنه، ولا سبيل إلى تغييره، بل إن وجهة الضبط يمكن تعديلها باستعمال مجموعة قواعد ومهارات تربوية يستطيع الإنسان من خلالها تغيير وجهة ضبطه بشرط أن يدرك أن طريقة تفكيره غير سوية.

بعد هذا كله، وبعد قراءتك لهذه السطور، حري بك أن تسأل نفسك من المسؤول عن تعثرك طوال كل هذه السنوات التي خلت من عمرك مستحضرًا كل ما سبق ذكره، واذا ما كانت الإجابة تجردك من كل مسؤولية فاعلم أنك قد اخترت تصنيف نفسك في خندق المنضبطين خارجيًّا، فلترجع إلى قرارة نفسك ولتسأل: ماذا كان بإمكاني أن أفعل ولم أفعله؟ ماذا بإمكاني فعله الآن وأنا متخلف عنه؟ (وهذا الأهم) وما الذي بإمكاني فعله مستقبلًا؟ وبهذا تكون قد خطوت أول خطوة في تعديل وجهة ضبطك نحو الداخل، فمعركة الحياة لم تتوقف بعد ما دام قلبك ينبض حتى قرأت هذه السطور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد