من المفترض على أي وسيلة إعلام تحترم متابعها وتتطلع أيضا لكسب احترامه لها أن تمارس دورها في نقل الأخبار بإخلاص وشفافية وحيادية وأن تتحمل مسؤولياتها في أخذ دورها التنويري لتفتيح عقل المتلقي بإضاءات من الحاضر والماضي ليتمكن من صناعة رأيه بنفسه، وعليها أن تبين لمتابعها مكانه من محيطه الداخلي والخارجي من القضايا المحلية والعالمية ليتسنى له في ما بعد أن يتخذ لنفسه موقفا في اتجاه معين، وأن يكون التثقيف ونشر الوعي هو الشغل الشاغل للقائمين على إدارة أية مؤسسة إعلامية، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات والقيم الإنسانية.

عندما يتحقق ذلك فقط يحق لأي مؤسسة إعلامية أن تخرج علينا بشعاراتها الرنانة كصوت من لا صوت له أو أن تعرف أكثر أو الرأي والرأي الآخر وصوت الناس وصورة الحياة، والكثير من الشعارات التي لم نعد نعرف ماذا فعلت وسائل الإعلام العربية حتى تستحق أن تطلقها على نفسها.

الحقيقة أننا على امتداد هذه الأوطان التي نحيا فوق أراضيها أو نتابع أخبارها من منافينا وبلدان شتاتنا مع إطلالة فجر كل يوم جديد مدعوون مجانًا لمشاهدة سيرك إعلامي قد يظهر أنه مثير للضحك، لكننا في الواقع أحوج ما نكون إلى البكاء على هذه الحال المزرية التي وصلنا إليها ففي بلد كمصر التي أنجبت للعالم صحيفة جاوز عمرها القرن ونصف القرن أي أنها تأسست قبل تأسيس دول عظمى كجريدة الوقائع المصرية والأهرام التي استقطبت رواد الفكر في العالم العربي وقد وصفها طه حسين ذات يوم بأنها ديوان الحياة المعاصرة.

ولكن ما هو موقع الإعلام في مصر الآن من بلده ومن العالم لقد تخلى عن أبسط أدواته وفقد جميع ملامحه وبات مدعاة للتندّر في الداخل والخارج، حيث لا ينفك الإعلاميون يتقيؤون على الشاشات كل يوم عصارة أفكار المؤسسة العسكرية وغوغاء الجنرالات وفيما كان التملق صفة مشتركة لدى جميع وسائل الإعلام العربية، إلا أن الإعلام المصري ذهب أبعد من ذلك بكثير، فهو الآن بات يستخدم نبرة العسكر في التهديد والوعيد الصريح للشعب بكل صفاقة.

والحال ليس أفضل بكثير في لبنان مع بعض الفروق البسيطة أن الإعلام اللبناني مازال يروج للمستحاثات من دكتاتورات وديناصورات العنصرية بشكل عصري وغلاف ديموقراطي زائف فالجميع يشتم العنصرية والدكتاتورية في الصباح والجميع يهرع لممارستها وتبريرها بدوافع الضرورة في المساء أما في سوريا، والتي كانت سبّاقة إلى ممارسة النشاط الإعلامي والثقافي مع بداية القرن العشرين حيث شهدت تأسيس العديد من الصحف المرموقة فأنت اليوم أمام حالة سريالية يستحيل إدراكها من خلال العقل البشري حيث تجد المراسل على استعداد لتكذيب الكاميرا التي يظهر بها في بثه المباشر والتي تظهر القصف بالصوت والصورة محاولًا اقناع المتابع بأن الشمس مشرقة والسماء صافية والعصافير تزقزق.

 جميع وسائل الإعلام السورية منفصلة عن الواقع تماما وتصر على إبقاء متابعها فاغر الفاه كأنه أمام فيلم هندي بإمكانه أن يجمع لك المستحيلات السبع في طرفة عين ولو نظرت للعراق فقد شهد قفزة نوعية في عدد المحطات الإعلامية في العقد الأخير حيث بات عدد المحطات يقارب عدد المحافظات والمدن والنواحي والقرى العراقية مجتمعة، ولعلها  ستكون ذات فائدة تذكر لو أنها تلتفت لكوارث البلد الحقيقية ليوم واحد، لكنها مشغولة ليلًا نهارًا بالترويج للسياسات الإيرانية في المنطقة وشتم سياسات الخليج وكل من يعارض إيران.

 فيما الإعلام الخليجي برمته غارق في صراعات سياسية خليجية خليجية تتجلى بطابع قبلي بشكل صبياني؛ مما أفقد الإعلام القطري – الذي كان منارة الشرق يوما ما – جزءًا كبيرًا من مصداقيته ومهنيته بينما الإعلام الإماراتي الذي كان فيما سبق قد حصل على امتيازات عالمية تخلى عن كل مقومات العمل الناجح وأصبح شغله الشاغل تغذية الروح القبلية لدى متابعيه لمهاجمة جارته قطر والترويج لعدائها، وليس الإعلام السعودي بأفضل حال فهو عمليًا لب هذا الصراع وهو الأكثر تضييقًا للخناق على أي عمل إعلامي حر في الخليج بكامله.

 اليوم في العالم العربي بأسره المليارات تضخ لترسيخ العبودية الفكرية وتأطير العقول لا لتنويرها، الضبابية والكذب والتدليس واللاحيادية هم سادة الموقف بامتياز أينما توجهت، وكأنهم يقولون لنا: لا للتنوير، لا لتفتيح العقول، انسوا مكانكم ووزنكم الوطني والإقليمي والدولي والعالمي وظلوا خرافا في بستان الرئيس أو في مضارب شيخ القبيلة، الثغاء هو الصوت الوحيد المسموح به لكم، والرعي هو الفكرة الوحيد التي يجب أن تخطر في بالكم والذبح لمن يحيد عن القطيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد