اكتسى التضليل الإعلامي أهمية متزايدة مع انتشار القنوات الإخبارية الفضائية العربية وتنوع أساليب نقل الخبر وتداوله، وكذلك مع تنامي الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في التأثير على المتلقي، وترجيح الكفة لصالح جهة معينة على حساب جهة أخرى من خلال طريقة نقل وتداول خبر معين بطرق ملتوية من أجل تحقيق أهداف معينة، وما ينتج عن ذلك من كذبٍ وتدليس وتشويهٍ للحقائق.

أصبح الكثير من الإعلاميين يدوسون على إرثهم الثقافي والفني والأدبي ويرمون به إلى الحضيض أصبح لدينا إعلام يخدش، إعلام لا يعرف الحياء، إعلام لا يحترم البيت المغربي ولا يحترم حتى ذوق الأفراد، تقوم مثلًا بعض المواقع الإلكترونية بأخذ مقطع من فيديو يتكلم مثلًا عن حياة فنان وتضع عليه عنوانًا محرضًا، وهو عنوان غير وفي لمضمون الفيديو الأصلي، كي تجلب المتلقي للضغط على الفيديو لمشاهدة المحتوى وتحصل هي بذلك على أعلى المشاهدات وتستفيد من ذلك، الشيء الذي يجعلنا نطرح سؤال الصحافة الإلكترونية في المغرب أو جزء من الصحافة الإلكترونية كي نبتعد عن التعميم، والتي أصبحت من أجل «كليك» مستعدة أن تفعل أي شيء، بما فيه الاعتداء على اللغة العربية، وتلفيق الأخبار الكاذبة، وصناعة عناوين فضائحية… إلخ، ونجد هذه العناوين تصاغ غالبًا على شكل الأمثلة التالية: «مغربية تحرض على الإفطار في شهر رمضان»، «منزل المغربية فلانة يتعرض للاحتراق»، «الإعلامي الشهير فلان تعرض للاعتداء»… إلخ.

أصبح الناس يبحثون عن الأخبار الفضائحية أكثر من الأخبار الثقافية أو الفكرية، وأعداد المشاهدات على اليوتيوب تثبت هذا، أصبحنا نبحث فقط عن أي شيء نضحك عليه أو نشمت فيه أو نعلق عليه، دون أن نتأكد من مصداقية الخبر الذي ينقله لنا هذا الشريط، وما يخيفنا هنا هو ذلك التأثير الكمي الكبير الذي يستقطب شريحة عريضة من المتابعين، إعلام بهذا الشكل هل من الممكن أن يساهم في تكوين نوع من الوعي عند الشباب؟ وكما تعلمون لا الأصدقاء ولا المدرسة ولا حتى التربية لها ذلك التأثير الكبير الذي يفعله الإعلام الهادف، فالإعلام هو الأداة الحاملة للرسالة بطريقة مثيرة وجذابة، ومهما كانت حصانة المتلقي ضد هذه الرسالة الإعلامية يحصل تسيير لا إرادي للمتلقي بمعنى أن الإعلام يحاصره في كل مكان.

والخطير في الأمر أنه مع تطور وسائل الإعلام مثل الإنترنت اكتسحت الرسائل المقنعة العالم وازدادت كيفية التأثير على أعداد مهمة من الناس، ويستمر الحال على ما هو عليه في ظل غياب رقابة إعلامية تعاقب المتجاوزين في برامجها والعاملين على تضليل الرأي العام.

حتى في الوسيلتين الأكثر انتشارًا – فيسبوك وتويتر – تجد أغلب المشاهد فيه لا تتعدى الطعن والهمز واللمز والسخرية بعيوب الآخرين وتوجهاتهم، الشيء الذي يعكس أننا لا نحترم آراء الآخرين وتوجهاتهم الفكرية أو السلوكية حتى لو كانت صائبة، هذا إضافة إلى تسطيح المعرفة على نحو يخالف الفطرة السليمة، ومن تلكم السطحيات التي انتشرت في الآونة الأخيرة على فيسبوك:

– «الله يعمي كل من رأى هذه الصورة ولم يكتب حسبي الله ونعم الوكيل».

– وضع صورة الكعبة المشرفة مكتوب تحتها: «لا أصدق أن هذه الصورة سوف تحصل على 100 لايك».

– أو مثلًا وضع صورة للمسجد الأقصى مكتوب بجانبها: «اليهود هم فقط من سيتجاوزونها ولا يضعون لايكًا».

– أو تنزيل صور لمشردين أو معاقين مكتوب تحتها: «لو كنت أفضل حالًا منه اترك لايك وقل الحمد لله».

السؤال: من قال إن 100 ألف لايك مثلًا سيساعد فقيرًا أو نازحًا أو مشردًا أو عاطلًا واحدًا أو سيغير من أحواله نحو الأفضل؟

ما قيمة هذا اللايك الذي أحيانًا يكون مزيفًا وأحيانًا يكون من شخص منافق أو مدلس، إذ نادرًا ما يكون اللايك صادقًا وأخويًا.

ما أجمل حرية التعبير حين تمارس بوعي ومسؤولية والتزام بأخلاقيات المهنة والتي من ركائزها احترام ثقافة المجتمع الذي تتوجه إليه برسائلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد