أجواء السعادة والسرور تهطل على مصرنا الحبيبة بعد عيد الفطر المبارك؛ حيثُ ترى الحب يرفرف بين بني الوطن الواحد جميعًا.

لكن مع هذه البهجة وهذا السرور تأبى بعض القنوات، إلا أن تزيّف الحقائق بغير علم ولا حجة، فأقل إنسان في الثقافة والمعرفة يُـدرك ببداهة أن النقض هو الهدم، وهو طريق الضعفاء علميًا وفكريًا في مسائل العلوم والمعرفة، وأن النقد هو التقويم والتهذيب والبناء، وهو طريق العلماء وطلبة العلم والباحثين عن الحق.

لكن قنوات الإعلام تصر على أن تُـمغِّـص على المصرين عمومًا _ والمسلمين خصوصًا _ هذه الفرحة!

فقد رأينا بعض القنوات، والصحف، والمواقع، تنتقض بتدليس وجهل المظهر العام للخطاب الدعوي الإسلامي ناسين أو جاهلين حقيقة النقض التي هي من شيم الفقراء فكريًا ومنهجيًا.

ويتمثل تجريح هذا الإعلام وكذبه في قضايا عديدة يحرفون حقيقتها إلى شبهات تطعن في عقائد المسلمين وأفكارهم.. نقف في هذا المقال مع ثلاث شبهات مُبينين التدليس الذي وقع فيه هذا الإعلام المُـضلل.

الشبهة الأولى

الإسلام منهج عنصري ضد المرأة!

عرض الشبهة:

يقولون: إن المسلمين صاروا بالحب يُخالفون نصوص دينهم، فها هم المسلمون يتزوجون بالنساء غير المسلمات ويمنعون المسلمات من الزواج بغير الرجال المسلمين.. فما هذا الظلم للنساء المسلمات، وما هذا التمييز؟

الرد على الشبهة:

– خلطت هذه القنوات بين أشياء عدة، ولتوضيح زيفها نقول:

أولًا: إن المسلم جائز له الزواج من غير المسلمة من «أهل الكتاب» فقط، وليس له الحق في الزواج من غير أهل الكتاب من المشركات.

ثانيًا: أهل الكتاب ليسوا كفارًا مُـشركين في جملتهم؛ بل منهم ذلك، لكن عمومهم أهل كتاب كما سماهم القرآن الكريم وفرَّق بينهم وبين المشركين والكفار «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين…»، «إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين…».

فقد فرَّق الله عز وجل بين من كفر من أهل الكتاب وأشرك وبين عموم أهل الكتاب، وهذا التمييز يدل على عدم إطلاق الكفر أو الشرك عليهم إجمالًا؛ وإلا لما فرَّق الله في تسميتهم!

وأما قوله تعالى: «ولا تمسكوا بعصم الكوافر» فالآية في الكوافر، وليست في أهل الكتاب عمومًا.. كما وضحنا الفرق بين عموم أهل الكتاب، ومن كفر وأشرك.

والله عز وجل قال: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ».

فقد أحل الله عز وجل الزواج بالمحصنات العفيفات من أهل الكتاب.

ثالثًا: إن التمييز القائم على العدل لا حرج فيه، ومن العدل أن تُراعى طبيعة كل من الرجل والمرأة، فللرجل مهمة الإدارة في النظام الأسري الإسلامي وهذا ما أشار الله إليه: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ».

فكيف تأمن المرأة المسلمة التي تريد الزواج من غير المسلم على أبنائها من الانجرار إلى عقيدة يأباها الإسلام، ومعلوم أن من مقاصد الشريعة العليا حفظ الدين؟

فالأساس أن الرجل يُدير والمرأة تربي. ويساعد كل منهما الآخر في الارتقاء بالأسرة والمجتمع. ومن هنا فإن الاحترام والتوقير للمرأة الكتابية ودينها موجود في فكر المسلم وعقيدته، أما في فكر غير المسلم فإن محمد رسول الله «كاذب» وهذا يؤثر سلبًا على حياة الأسرة ودينها، لذلك فعندما يدير الرجل المسلم البيت فإن ذلك أحرى بحفظ الدين والأسرة والمشاعر بين الزوجين.

رابعًا: هناك أُناس من أهل الكتاب كريمي الخلق، يحسنون معاملة زوجاتهن حتى لو كن على غير دينه. لكن هذا الإحسان لغير الكتابية نادرًا ما يوجد لتكذيبه بالنبي محمد، ورؤيته للإسلام على أنه افتراء ودجل!

وهذا النادر لا يهدم القاعدة التي تقرر حفظ الدين والأسرة وسد ذرائع الفساد.

خامسًا: كانت مُهانة قبل الإسلام وغير مُصانة فجاء الإسلام فأعلى من قيمتها وحررها من القيود التي تقيدها، قال تعالى عنها:

«وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ».

«أنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ».

«لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ».

«إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» إلى آخِر الآية «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا».

وقد وردت عدة أحاديث نبوية شريفة تدل بكل وضوح إلى تكريم المرأة في الإسلام ومنها: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم لنسائهم».

«إنما النساء شقائق الرجال».

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم».

«لا يَفُرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر». ومعنى لا يفرك مؤمن مؤمنة أي: لا يبغضها؛ لأنه يتنافى مع حسن العشرة.

وقال أيضًا: «إنما النساء شقائق الرجال».

ونتيجة هذه القيمة للمرأة في الإسلام هي ما جرت على لسان المستشرقين؛ لا سيما غوستاف لوبون الذي يقول: «إن الإسلام، الذي رفع المرأة كثيرًا، بعيدٌ من خفضِـها، ولم نكن أول من دافع عن هذا الرأي، فقد سبقنا إلى مثله كوسان دوبرسفال، ثم مسيو بارتلمي سنت هيلر».

الشبهة الثانية

التعدد حرام بنص القرآن!

عرض الشبهة:

قالت هذه القنوات: إن القرآن لما أباح تعدد الزوجات بشرط العدل في قوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا».

بيّن أن العدل مُـحال أيضًا فقال: «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا».

وبهذا ينتفي الشرط ويكون التعدد والزيادة على واحدة حرام.

الرد على الشبهة:

أولًا: الإسلام لم يجئ بالتعدد؛ بل جاء بالتحديد، فقد كان التعدد موجود قبل الإسلام حتى في اليهودية ولم ترفضه النصرانية، وكان التعدد بالعشرات، بل بالمئات.. فلما جاء الإسلام حدد أربعًا فقط.

ففي اليهودية بعيدا عن كون النص محرف أم لا موجود عن سليمان: «وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ 3 وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ».

وجاء المسيح فقال: متى 5: 17 – 19 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ».

وما جاء في الاكتفاء بزوجة واحدة في المسيحية، إنما هو قول بولس وليس قول المسيح، كما أن النص يبين أنه على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر، انظر إلى رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 7: 1 «وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا: فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً».

2 «وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا».

3 «لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ، وَكَذلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ».

4 «لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ».

5 «لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ».

6 «وَلكِنْ أَقُولُ هذَا عَلَى سَبِيلِ الإِذْنِ لاَ عَلَى سَبِيلِ الأَمر».

7 «لأَنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ كَمَا أَنَا. لكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْهِبَتُهُ الْخَاصَّةُ مِنَ اللهِ. الْوَاحِدُ هكَذَا وَالآخَرُ هكَذَا».

ثانيًا: العدل المشروط في الآية «فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» المراد منه هنا «العدل المادي» في المسكن والملبس والطعام والشراب والنفقة.

أما العدل المقصود في الآية وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ» المراد منه «العدل في الميل القلبي.

ويدل على ذلك سيرة رسول الإسلام وتطبيقه للمنهج الإسلامي تطبيقًا صحيحًا.

وقد كان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يُـحب بعض زوجاته كثيرًا عن البعض الآخر، فقد كان يُحب عائشة كثيرًا، ولما قالت له عائشة عن خديجة «أبدلك الله خيرًا منها» قال «والله ما أبدلني خيرًا منها».

فهذه طبيعة القلوب البشرية قد تميل إلى بعض الزوجات عن بعضهن الآخر، وقد كان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يقول: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما تملك ولا أملك» .

ثالثًا: على ما يوجد في التعدد بالنسبة للمرأة للأزواج من أضرار طبية معروفة.. إلا أن الإسلام أراد أن يكون الأبناء في حصن الشرع والقانون محاطين بالعناية والمحافظة دون تشرد في المجتمع وإقصاء مترتب على غلطة أمه وأبيه.

فالمرأة في فترات الحيض والولادة والفترة الأخيرة من الحمل يتعطل استعدادها لزوجها بسبب ما يعتريها من أعذار خارجة عن إرادتها.. فماذا يصنع أربعة رجال بامرأة غير مستعدة جنسيًا في هذه الفترات؟

وإن حملت فلمن ينتسب الولد؟

وإن نسب لأحدهم، فما درجة قرابة الباقين له؟

لأجل هذا وغيره كان التعدد مضبوط بالعدل الذي يصوغ حياة الأسرة بالسعادة وعدم الشقاق.

  • يُــتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد